الجزء الخامس من قصة الملاك الحارس
لقد أصبحنا
أشخاصًا جدد منذ الأمس، وكل يوم سنذهب إلى الكنيسة إذا سمحت لنا الظروف.
لكن يوم
الأحد هو مقدّس، وسنكون فيه دائمًا هناك.
قال سمير
وهو ينظر حوله: وأين السيد سيرج والآنسة هيلغا؟
أجاب سمارك
مبتسمًا: سيرج في الطريق، أما هيلغا، فأعتقد أنها تجهّز نفسها لتبدو جميلة.
في تلك
اللحظة، وصل سيرج برفقة زوجته روزيتا، التي سلّمت على سمارك وسمير بحرارة، ثم نظرت
إلى الجميع وقالت: من غيّركم جميعًا؟!
كان سمير
محتارًا مما سمعه، لكنه آثر الصمت ولم يعلّق.
حضرت هيلغا
بعد قليل، وكانت معها فلالا، التي بدت أنيقة على غير عادتها.
قال سمارك
وهو يضحك: أرى أن فلالا ترتدي ثيابًا أنيقة اليوم، وهذا ليس من عادتها.
قالت هيلغا
بابتسامة: التغيير سيشمل كل شيء في هذا البيت.
ضحك سيرج
وقال لزوجته: هل رأيتِ ما أخبرتكِ عنه؟ التغيير الحقيقي قد حصل هنا.
ركب الجميع
في السيارات، وتوجهوا إلى الكنيسة.
وفي الطريق،
قالت روزيتا وهي تنظر إلى زوجها: فعلاً، هناك شيء غريب حدث هنا.
سمارك
كان دائمًا عصبيًا، لا ينسجم مع أحد، واليوم هو يضحك وينتظر هيلغا، ويتحدث بهدوء وسلاسة.
أنا مصدومة،
لكنني أشعر بالارتياح لرؤيته بهذا الشكل.
عند الوصول
إلى الكنيسة، نزل الجميع من السيارات، ودخلوا إلى الداخل.
كانت الكنيسة
خالية من الناس، فجلس كل منهم يصلي بقلبه، وأعينهم مغمضة، حتى انتهوا من صلاتهم.
فتحوا
أعينهم، فوجدوا كاهن الكنيسة واقفًا بالقرب منهم، يرحب بهم بحرارة، وقال: هل أستطيع
أن أقدّم لكم أي مساعدة؟
قال سيرج:
أبتي، أريد أن أعترف.
قال الكاهن
وهو يشير إلى غرفة الاعتراف: تفضل، أهلًا وسهلًا.
دخل سيرج،
ثم خرج، فدخلت زوجته روزيتا، وبعدها هيلغا، ثم فلالا.
بقي سمارك
وسمير، والكاهن ينتظر في الداخل.
سألهم
الكاهن: هل ترغبان في الاعتراف، أم ستذهبان إلى البيت؟
دخل سمارك،
واعترف، وخرج ودموعه تنهمر من عينيه.
ثم دخل
سمير، وبقي في الداخل أكثر من أي شخص آخر.
وحين خرج،
تبسّم له الجميع، لكنه بقي صامتًا.
خرج الكاهن
من غرفة الاعتراف، وتوجّه إليهم بالكلام: أنا اليوم سعيد بما سمعته منكم جميعًا.
أشكر الرب
لأنه جعلكم من التائبين، وهذا يفرحني، ويفرح الكنيسة، والسيد المسيح، وأمه مريم.
أعتبر
طريقة لقائكم، والتغير الذي طرأ على حياتكم بعد هذه الحادثة "الصدفة"، هدية
إلهية،
لكي تعودوا
إلى جذوركم التي ظننتم أنها اختفت، لكنها كانت كامنة في داخلكم، وحين عدتم إليها، تجددت في لحظة، وعاد النور
إلى عيونكم ووجوهكم، وأصبح كل شيء أمامكم جميلًا.
ولا ننسى
أخانا سمير، فهو من بلاد الأرز، البلاد التي مشى على أرضها السيد المسيح،
وكانت أولى عجائبه في لبنان.
شكرًا
لكم جميعًا، وآمل أن نجتمع يوم الأحد القادم، لنتعرّف على بقية المؤمنين، ونعرفهم عليكم.
والآن،
اذهبوا بسلام، الرب يبارك خطواتكم جميعًا.
خرجوا
من الكنيسة، وكل واحد منهم يشعر وكأنه وُلد من جديد.
في باحة
الكنيسة، استأذن سيرج وزوجته، لأنهما سيذهبان إلى العمل، وغادرا بهدوء.
عاد الجميع
إلى المنزل، وعادت الحياة إلى طبيعتها.
كل شخص
انشغل بعمله: هيلغا توجهت إلى الشركة بعد أن اطمأنت على والدها،
فلالا
عادت إلى مهامها اليومية، أما سمارك وسمير، فدخلا غرفة الجلوس الخاصة بالأخير.
جلس سمارك
على الأريكة، ثم التفت إلى سمير وقال: أعطني رأيك بما حصل في اليومين الماضيين، وكيف
كانت ليلتك الأولى في غرفتك الجديدة؟
قال سمير
وهو يبتسم بخجل: بالنسبة إلى النوم، فقد غفوت دون أن أغطي جسدي، خاصة بعد الاستحمام
بالماء الدافئ.
أشكرك
على منحي هذه الغرفة، أما عن اليومين الماضيين، فلا أستطيع وصفهما بكلمات.
لكن سأقول
ما في قلبي: أعتبر ما حصل معي فرصة ربانية، أرسل فيها الله ملاكًا، وجعلني أصطدم بالسيد
سيرج، أو العكس.
كانت فرصة
حاولت جاهدًا ألا أعترف بها، لكنها غلبتني، وكانت لصالحي بالكامل.
أنت يا
سيد سمارك، أخذت دور الملاك الذي أعادني إلى رشدي.
وحينها،
قبلت وجودك وجاريتك، دون تخطيط أو قصد، فحصلت على ما كنت أتمناه وأكثر.
عطفك عليّ
أعاد لي الثقة بالبشر، بعد أن فقدتها تمامًا.
كنت ضائعًا،
وعدت إلى طريق الصواب.
وحنان
الآنسة هيلغا منحني دفعة لاحترام نفسي، هي ملاك رحمة، إنسانة تشعر بالبشر.
أنا في
حيرة من أمري، كيف أصف هذين اليومين؟
اسمح لي
أن أقول لك، ولكريمتك: شكرًا من القلب.
قال سمارك
وهو يهز رأسه بتأثر: أعتقد أننا نفكر بالطريقة نفسها، وكأننا على نفس الموجة.
كما تظن
أنت أننا نحن الملائكة الذين أنقذناك، نحن أيضًا نعتقد أنك أنت الملاك الذي غيّرنا.
سيرج يعتبرك
كذلك، وأنا أوافقه.
كل واحد
منا كان بحاجة إلى فرصة، وهذه كانت الفرصة التي احتضنّاها، وتغيّرت حياتنا إلى الأفضل،
كما تمنينا.
شكرًا
لحضورك بيننا، يا سمير.
قال سمير
وهو يضع يده على صدره: أعود وأشكرك من كل قلبي، سيد سمارك.
وأتمنى
أن أعرف ما هو عملي اليوم.
هل ستبقى
في البيت، أم ترغب بالخروج؟
قال سمارك
وهو يفكر: لا أدري إن كنت بحاجة إلى الخروج، أم البقاء.
ما رأيك
أن نجعل يومنا موسيقيًا بامتياز؟
خذني إلى
غرفة القيثارات.
جلس سمارك
على الكرسي المتحرك، ودفعه سمير إلى الغرفة المخصصة للآلات الموسيقية.
من الداخل،
حمل سمارك غيتاره، وقال: سأعزف على هذا، وأنت اعزف على ذاك الموجود في الزاوية.
عادا إلى
غرفة الجلوس، وبدأ سمارك بدوزنة غيتاره، فيما أحضر سمير غيتاره، وتأكد من دوزنته أيضًا.
وحين انتهيا،
أصبحا جاهزين للعزف.
قال سمارك
وهو ينظر إلى سمير: أريد منك أن تعزف أكثر لحن تحبه، وتعزفه جيدًا.
قال سمير
وهو يبتسم: ليس لدي معزوفة محددة، لكنني سأعزف لك عدة مقطوعات للرحابنة،
بدأ بـ
"من أنت يا ديلا"، ثم انتقل إلى "يارا الجدايلها شقر"، وأنهى بـ
"كان الزمان وكان".
لكن مع
نهاية المقطوعة الأخيرة، شعر ببطء في حركة أصابعه.
قال سمير
وهو ينظر إلى يديه: أعتقد أنني أعجز عن المتابعة، أصابعي لا تطاوعني كما يجب.
قال سمارك
وهو ينظر إلى سمير بعد انتهاء العزف: رغم بطء انتقالك من مقطوعة إلى أخرى، إلا أنك
انتقلت بسلاسة، وفي بعض الأحيان، كنت أظن أن المقطوعة تتطلب هذا الإيقاع.
وهذا يدل
على أنك بارع في العزف.
ثم بدأ
هو بالعزف، وراح سمير يستمع إليه.
كانت المقطوعات
غير معروفة له، لكن الألحان أطربته، حتى بدأ يشارك بالعزف بشكل متقطع، ومضت أكثر من
ثلاث ساعات، وهما يعزفان ويضحكان، وكان كل منهما يعلّم الآخر، يشير إلى تفلّت نوتة
هنا أو هناك، فيعيدان عزف المقطوعة، حتى وصلت أصواتهما إلى أرجاء المنزل.
حضرت فلالا،
وقالت للسيد سمارك: طعام الغداء جاهز، هل ترغب أن تتناول الطعام الآن أم لاحقًا؟
قال سمارك
وهو يبتسم: سنأكل الآن، وبعدها نقرر ما نفعل.
أثناء
الطعام، قال سمير: أحب أن أسمع قصة المعزوفة التي لحّنتها، سيد سمارك.
قال سمارك:
تكرم، بعد الظهر سأروي لك قصتها.
بعد الغداء،
طلب سمارك أن يأخذ قيلولة.
وقال لسمير:
افعل ما تشاء في هذا الوقت، ارتح أو اعزف أو اقرأ.
قرر سمير
أن يجلس في غرفته، حتى يناديه السيد سمارك.
وفي الغرفة،
فجأة خطرت على باله صورة أهله، تذكّرهم، وسأل نفسه: يا ترى، ما حالهم في هذه الحرب؟
ماذا يقولون
عن غيابي كل هذه السنين؟
بدأ يلوم
نفسه على هذا الجفاء، وعلى تصرفه الأرعن، حتى غلبه البكاء، ونام وهو يبكي.
حين عادت
هيلغا إلى المنزل، وجدت والدها في غرفته وحده، فسألته: لماذا أنت وحدك؟ أين سمير؟ هل
أرسلته إلى مكان ما؟
قال سمارك:
بعد الغداء أخذت قيلولة، وهو دخل إلى غرفته، ولم يخرج حتى الآن.
قالت هيلغا:
سأذهب لأطمئن عليه.
قال سمارك
وهو يبتسم: معك حق، خالك سيرج يقول إنك تهتمين بأمر سمير أكثر من اللازم.
قالت هيلغا
بصدق: سأكون صريحة جدًا يا أبي.
أنا ينقصني
أخ، وأحنّ إليه، وهو يعطف عليّ، وأشعر أنني وجدت هذا الأخ، حسب توقعاتي.
لكن يبقى
رأيه بي، وهذا يعود إليه.
قال سمارك
وهو ينظر إليها بتأمل: من جوابك، أعلم أنك لستِ على يقين من مشاعره نحوك، وهذا يدل
على نضج فكري عندك يا ابنتي.
وأشجعك
على ما تقومين به، لأنني أنا أيضًا شعرت بأن سمير هو أخي الصغير، ولم أفكر به كابن
لي.
أتمنى
أن نكون على حق.
قبلت هيلغا
رأس والدها، وشكرته على دعمه.
ثم توجهت
نحو غرفة سمير، ونظرت من النافذة، فوجدته نائمًا.
طرقت الباب،
وبعد لحظة، فتح سمير الباب، وكانت عيناه متورمتين، وفي داخلهما احمرار واضح.
قالت هيلغا
بقلق: خير، ما بك يا سمير؟
ولماذا
عيناك بهذه الحالة المزرية؟
قال سمير
وهو يحاول أن يخفي تأثره: لا شيء، لا شيء... فقط نمت وأنا في حالة من الحزن الشديد.
تذكّرت
أهلي في لبنان، وكيف لم أعلمهم بأي شيء عني منذ أن وطئت قدمي هذه البلاد.
فبكيت،
ونمت... وأعتقد أنني كنت أبكي وأنا نائم أيضًا.
قالت هيلغا
بلطف: مشاكلك كثيرة يا سمير، وعلينا أن نحلّها جميعًا، لكن واحدة تلو الأخرى.
اغسل وجهك،
والحقني إلى غرفة جلوس أبي، نحن هناك بانتظارك.
عادت هيلغا
إلى والدها، وأخبرته بما رأته من حال سمير.
قال سمارك
وهو يهز رأسه بتأمل: هذا الشاب يحتاج إلى إعادة تأهيل نفسية.
ما رأيك
أن نجعله يتصل بأهله حين ينضم إلينا؟
قالت هيلغا
بحماس: فكرة عظيمة يا أبي.
في تلك
اللحظة، دخل سمير، واعتذر عن تأخره.
قال له
سمارك بلطف: لقد أخبرتني ابنتي بحالتك التي كنت فيها قبل قليل.
وأنا أقول
إن فقدان الأهل، أو الابتعاد عنهم، أمر صعب جدًا.
لذلك،
لدي اقتراح لك يا سمير: ما رأيك أن تتصل بأهلك الآن؟
قال سمير
وهو ينظر إليه بتردد: هل يجب أن أرخي كل ثقلي عليك، سيد سمارك؟
قال سمارك
وهو يبتسم: لا أعتقد أنك ترخي شيئًا غير صحيح.
بل أنا
أقدّم لك خدمة، ولأهلك الذين أعتقد جازمًا أن بالهم مشغول عليك.
واتصال
منك اليوم، قبل الغد، هو أفضل من أي هدية قد تصلهم.
طلب من
سمير أن يحضر الهاتف، ويجري اتصالًا مع أهله.
قال سمير:
لحظة، يجب أن أحضر رقم جيراننا من حقيبتي في الغرفة.
ذهب إلى
غرفته، وأحضر الرقم، ثم أجرى مكالمة خارجية.
بعد السلام
والكلام بالعربية، وانتظار قليل، بدأ سمير بالبكاء.
سكت فترة،
وتكلم فترة، واستمر الحديث أكثر من نصف ساعة، حتى انقطع الخط تلقائيًا من جهة لبنان.
قال سمارك
وهو ينظر إليه: يبدو من شكلك أنك لم تستفد كثيرًا من هذه المكالمة.
قال سمير
وهو يمسح دموعه: على العكس، سيد سمارك، لقد استفدت كثيرًا.
تحدثت
مع أمي وأبي وإخوتي جميعًا.
لكنني
عرفت أن عمتي، التي كنت عندها، قد توفيت منذ أشهر قليلة.
وغدًا
سأتصل بهم مرة أخرى، إذا سمحت لي، لأن الاتصال انقطع قبل أن ننهي كلامنا.
شكرًا
لك، لقد فرحوا كثيرًا لسماع صوتي بعد هذه السنين العجاف.
قال سمارك
وهو يربت على كتفه: لا تخجل، ولا تشعر بالحرج.
أنت مرحّب
بك بيننا كأخ لنا.
وإذا أحببت،
أجرِ اتصالًا آخر لتطمئن أكثر.
عاود سمير
الاتصال بلبنان، وبعد وقت غير قصير، انقطع الاتصال مرة أخرى.
لكن هذه
المرة، كان قد عرف كل ما يحتاجه من معلومات عن أهله، وأقاربه، وأصدقائه، وعن وفاة عمته
التي كانت تحتضنه.
قالت هيلغا
وهي تبتسم له: أرى أنك تحسّنت بعد أن تحدثت مع أهلك، يا سمير.
هل يمكن
أن نعرف ما دار بينكم؟
وإن شاء
الله، هم بخير.
قال سمير
وهو ينظر إليها بعينين ممتنّتين: أهلي جميعًا بخير، ويسلّمون عليكم رغم أنهم لا يعرفونكم.
وعرفت
أيضًا أن بعض المعارف والأقرباء قد توفّوا، وهذه هي سنّة الحياة، وخصوصًا عمتي التي
كنت عندها.
وهكذا،
لم يعد لي ارتباط بأي أحد هنا... سوى أنتم.
قال سمارك
وهو يتأمل سمير: عمتك... أليس لديها إرث هنا؟
أجاب سمير:
نعم، لديها منزلها، وأعتقد أنها أورثته لأخيها غير الشقيق، الذي كانت ترغب أن أتزوج
ابنته، لأنها تحبه كثيرًا، وكان يعتني بها هنا.
قال سمارك
وهو يبتسم: لدي اقتراح لك يا سمير، ما رأيك أن ترسل مبلغًا من المال إلى أهلك؟
ولو كان
بسيطًا، أعتقد أنه سيساعدهم كثيرًا.
قال سمير
بتأثر: سيد سمارك، لقد غمرتني بفضلك، ولا أعرف لماذا تعاملني بهذا الشكل.
تشعرني
بأنك أخ كبير لي، لا رب عمل.
لكن كيف
سأرسل المال؟ أنا لم أرسل شيئًا إلى لبنان من قبل.
قالت هيلغا
وهي تبتسم: هذا أمر بسيط جدًا، فنحن شركة مالية، ونرسل المال إلى كل أنحاء العالم،
ومنها لبنان.
ما عليك
سوى أن تذكر لنا اسم بنك قريب من أهلك، وسنحوّل إليهم المبلغ.
قال سمارك
وهو ينظر إلى ابنته: لاحظت أن هيلغا تؤيد كل ما أقوم به تجاهك يا سمير.
قال سمير
وهو يبتسم بخجل: نعم، لاحظت ذلك، لكنني لم أفهم لماذا تقومان بكل هذا من أجلي.
قال سمارك
وهو يضع يده على كتف سمير: سأجيبك عن نفسي، وبكل صراحة: لا أستطيع أن أعتبرك ابني،
لكنني أشعر بك كأخي الصغير.
ولدي إحساس
بأنك تحتاج إلى عاطفة رجل، وأعتقد أنني أستطيع أن أقدّم لك هذه العاطفة.
وعلى فكرة،
هي عاطفة تنقصني كما تنقصك أنت.
لذلك،
أنا أكملك، وأنت تكملني.
ثم التفت
إلى هيلغا وقال: وهيلغا لديها كلام تحب أن تقوله لك.
قالت هيلغا
وهي تنظر إلى سمير بعينين صادقتين: شكرًا أبي، لسماحك لي بأن أعبّر عن شعوري تجاه سمير.
ثم التفتت
إلى سمير وقالت: كما تعرف، أنا وحيدة أبي، وعندي شعور بأنني مدللة ومغنّجة، وما هو
عندي، لا يوجد عند أي فتاة أخرى.
أبي يحبني
جدًا، وفي هذا العمر، سلّمني شركته، كي أتعلم من أخطائي، لكن بعين مراقبة ومصحّحة،
من جهته المباشرة، أو من المدراء الذين أعمل معهم.
يعني،
كبرت قبل أواني، كما يُقال في الشركة، أو في محيطنا العائلي.
وببساطة،
أنا لست بحاجة إلى شيء، كما يظهر للآخرين.
لكن حين
تعرفت عليك في بيتنا، وشاهدت كيف تغيّر أبي بحضورك، تذكّرت أن هناك شيئًا ينقصنا، كنت
أظن أنه غير ضروري في حياتي، حتى اكتشفت كم هو ضروري: أن يكون لي أخ، أتكئ على كتفه،
أخ يكون سندًا لي حين أتعثر، أو أواجه مشكلة أو هفوة.
فقلت:
أعتقد أن سمير هو هذا الأخ الذي أبحث عنه.
لذلك،
تصرّفت معك أمس بطريقة عفوية جدًا، وسحبتك من يدك، ليس كإنسان يعمل عند أبي، بل اعتبرتك
أخي، وسحبتك بتلك الطريقة.
ورغم أنني
في منتصف الطريق، تذكّرت أنه لا يحق لي ما أقوم به، لكنني أكملت، حين وجدتك منساقًا
معي، حتى وصلنا إلى غرفة أبي.
وحين جهّزت
لك الكيس، ووضعت فيه ما تحتاجه، كنت أتصرف كأخت، لا كفتاة لا تعنيها الأمر.
قال سمير
وهو يفرك عينيه بتأثر: لا أعرف ماذا أقول أمام كل هذه النِعم التي أغدقتموها عليّ في
أيام معدودة من حياتي الجديدة.
لا أدري
إن كنت أستحق كل هذا، رغم أنني لم أكن كما يجب مع أهلي، ولا حتى مع نفسي.
ولا أدري
هل أنا فعلاً أعيش واقعًا، أم أنني في حلم طويل، وأخاف أن أستيقظ منه.
كنت أتوقع
أن أكون ضمن عائلة محبة، لكن أن أكون أخًا لصاحب العمل، وأخًا لابنته، فهذا شيء يفوق
كل توقعاتي، ولا يحدث حتى في "الأفلام الهندية" (يضحك سمارك وهيلغا).
ثم تابع سمير: لنفترض أن شعوركم تجاهي صحيح، فهل أنتم واثقون من شعوري تجاهكم
انتقل إلى الجزء السادس من هنا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا، بكم امل ان تجدوا ما يجعلكم تتابعون المدونة دائما،
مع محبتي واحترامي