طلب سمارك
من الخادمة أن تحضر له فنجانًا من القهوة، ثم بدأ الحديث بينهما.
قال سمير
وهو ينظر إليه بتقدير: شكرًا لك على المئة دولار.
قال سمارك
بهدوء: لقد حصلت عليها لأنك تعبت معي أمس.
قال سمير
بتأثر: لقد أنقذتني من إحراج كبير مع زملائي في المنزل.
قال سمارك
وهو يتأمل وجهه: على ذكر المنزل، لم نسألك أين تسكن.
قال سمير:
أسكن في الطرف الآخر من المدينة، بالقرب من الحديقة العامة في المنطقة الخامسة.
قال سمارك
متفاجئًا: يعني أنت بعيد عنا، وتحتاج إلى عدة وسائل مواصلات لتصل إلى هنا. هذا مرهق
لك.
قال سمير
وهو يحاول التخفيف من الأمر: ليس مرهقًا كثيرًا، فأنا أستقل قطار الأنفاق، وهو رخيص
جدًا.
سأله سمارك:
مع كم شخص تسكن في المنزل؟
قال سمير:
أسكن مع أصحابي في غرفة واحدة.
قال سمارك
بدهشة: كم شخصًا في تلك الغرفة؟
قال سمير:
حوالي عشرة. لكن البعض يعمل في الليل، والبعض الآخر يعمل في النهار. لذلك ننام في المكان
الشاغر، وعلينا جميعًا أن نُسلّم الغرفة صباحًا، لكي ينام من يعملون ليلًا. فنغادرها
حتى المساء.
قال سمارك
وقد بدا عليه التأثر: هل أفهم منك أنّك لا تستطيع العودة إلى الغرفة إلا في المساء؟
وماذا تفعل طوال النهار حين لا تعمل؟
قال سمير
وهو ينظر إلى فنجان القهوة: أغادر المكان وأتمشى في المدينة، حتى يأتي وقت النوم، فأعود
وأبحث عن مكان شاغر في الغرفة.
قال سمارك
وهو ينظر إلى سمير بجدّية: وإذا أتيت إلى الغرفة ولم تجد مكانًا للنوم، ماذا تفعل؟
فرك سمير
رأسه، ونظر إلى الأرض بصمت. وبعد لحظة من التفكير، قال بصوت خافت: أحيانًا لا أنام
في الغرفة، بل خارجها. فأنا جديد بينهم، وأدفع مئة دولار في الشهر فقط.
قال سمارك
باستغراب: طالما أنك في هذا الوضع، لماذا لم تختر وظيفة البواب؟ فهي توفر لك غرفة خاصة
للنوم.
قال سمير
بصراحة: لا أحب أن أكون مأسورًا في مكان معين. أريد أن أكون حرًّا في الليل.
نظر إليه
سمارك بحدة وقال: وما هي هذه الحرية التي تتوق إليها يا سمير؟
أنت مفلس،
لا تثبت في عمل، وتنام أحيانًا في الشارع.
أي حرية
هذه التي تلاحقها؟
أنت لا
تبحث عن حرية، بل تعيش داخل سجن كبير في داخلك.
يجب أن
تستيقظ مما أنت فيه.
وأستغرب
أنك لا تتعاطى المخدرات!
طأطأ سمير
رأسه، ولم يتكلم. ثم وقف وقال: عفوًا منك، سيد سمارك، لا أستطيع أن أكمل عندك.
وتوجه
نحو الباب ليغادر. في تلك اللحظة، وصلت الخادمة تحمل فنجان القهوة.
قال له
سمارك بهدوء: اجلس، واشرب قهوتك. قبل أن تغادر، أريدك أن تسمع قصتي. بعدها، خذ القرار
الذي تريده.
عاد سمير
إلى الغرفة، وأخذ فنجان القهوة، ورشف منه رشفة كبيرة، ثم جلس، وقد بدا عليه عدم الارتياح.
قال سمارك
وهو ينظر إليه بعينين حانيتين: يا سمير، أنا الآن في التاسعة والخمسين من عمري. أملك
شركة مالية كبيرة، تديرها ابنتي، لكنني ما زلت رئيسها.
أنا ابن
مهاجر ألماني، جاء إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، بعد سقوط ألمانيا
النازية.
عاش هنا
مشردًا، مثلك تمامًا. الحرب أخذت منه كل شيء، حتى عقله.
وفي أحد
الأيام، التقى فتاة مشردة مثله، وكنت أنا ثمرة ذلك اللقاء.
عشنا معًا،
ننتقل من مكان إلى آخر، وكنت أشعر بالرضى لأنهما معي.
لكن حين
بلغت الثامنة من عمري، استيقظت ذات صباح، ولم أجدهما.
انتظرت
أيامًا، ولم يعودا.
أكلت ما
تبقى في الغرفة، ثم بدأ الجوع ينهشني.
خرجت أبحث
عنهما، ولم أجد لهما أثرًا حتى اليوم.
كنت مشرّدًا،
تائهًا، أبكي تحت شجرة على أحد الأرصفة.
كل من
مرّ بي حاول أن يهدّئني، لكنني كنت أنفر منهم.
حتى جاءت
سيارة شرطة، وأخذوني بالقوة.
وبعد أيام،
صدر حكم بأن أعيش مع عائلة ألمانية الأصل.
هربت منهم
مرارًا، لكن الشرطة كانت تعيدني إليهم.
كانا يعاملانني
بالحسنى، لكنني كنت أبحث عن "حريتي" في الخارج.
وفي النهاية،
توصلنا إلى اتفاق: هم يمنحونني الحرية التي أريدها، وأنا أقدم لهم ما يريدون.
حريتي
كانت أن أخرج بعد أداء واجباتي، وحريتهم أن أتعلم وأكون ابنًا لهم.
ومع مرور
الأيام، أصبحت حريتهم هي الأساس في حياتي.
اكتشفت
أنهم يريدون لي الخير، بينما أنا كنت أجرّ نفسي إلى الهوان.
عدت إلى
المدرسة بعد تأخر سنوات، ودرست، وكانا يدعمانني بكل الوسائل.
تخرجت
من الجامعة في إدارة الأعمال، واليوم أنا أملك حياة ناجحة، ابنة أفتخر بها، أصدقاء أثق بهم، وموظفين
يكنّون لي الاحترام.
والآن،
بعد أن رويت لك قصتي، أريد أن أسمع قصتك.
ثم خذ
القرار الذي تريده، وسأكون معك.
بعد تفكير
طويل، وهو يفرك رأسه بيده، قال سمير بصوت متردد: لم أعتقد يومًا أن أحدًا سيطلب مني
أن أروي له قصتي.
وعذرًا
إن كانت غير متوازنة بالأفكار، لكنني سأرويها من لبنان حتى هذه اللحظة.
قال سمارك
وهو ينظر إليه باهتمام: أنا مستمع جيد، تفضل.
قال سمير
وهو يحدّق في فنجان القهوة: حين بلغت الثامنة عشرة، كنت أدرس الفندقية في مدرسة مهنية.
لم أحب
هذا الاختصاص يومًا، لكنه كان الخيار الوحيد المتاح، والدنيا حرب.
لا أحد
يعرف متى قد يموت، على حاجز، أو في الطريق، أو برصاصة طائشة وهو جالس في بيته.
حين طلبت
عمتي أن آتي إليها في أميركا، تحركت عائلتي بسرعة لتأمين الأوراق، رغم الخطر الذي كان
يحدق بمن يتنقل بين المناطق.
تركت المدرسة،
وجئت إلى هنا، وكم كنت سعيدًا بالقدوم إلى عمتي، وإلى أميركا، حلم معظم اللبنانيين.
لكنني
لم أستطع التأقلم مع أي عمل، من أبسط وظيفة إلى أصعبها.
ضاعت أول
سنة من عمري وأنا عند عمتي، التي أرادتني أن أتزوج ابنة أخيها، كي أحصل على الإقامة
والجنسية.
لكنني
لم أستلطف تلك الفتاة، مما أغضب عمّتي، وطردتني من بيتها.
انتقلت
إلى هذه الولاية، وأنا هنا منذ سنتين تقريبًا.
يعني ثلاث
سنوات وأنا غير قانوني، لا أعرف شيئًا عن أهلي في لبنان، وهم لا يعرفون عني شيئًا.
لا أعرف
ماذا أفعل.
عايشت
المشرّدين، وأصحاب المخدّرات، ونمت في الطرقات داخل كرتونة.
قبل ثلاثة
أشهر، تعرفت على شخص يسكن في الغرفة التي أعيش فيها الآن.
كان يدفع
عني، وأنا أعده بالدفع حين أجد عملًا وأثبت فيه.
لكنني
لم أثبت في أي عمل.
وحين أحصل
على بعض المال، كنت أدفعه ثمنًا للطعام والغرفة.
حتى المئة
دولار التي أعطيتني إيّاها أمس، دفعتها كلها من أجل الغرفة.
وتسألني
عن الحرية؟
الحرية
التي أبحث عنها هي ألا يتحكم بي أحد.
لا أعرف
لماذا هذا الشعور يراودني.
هل لأنني
دخلت اختصاصًا لم أختره؟
هل لأنني
اقتُلعت من بلدتي التي أحببتها؟
هل لأنني
انصدمت من طريقة تصرف عمتي معي؟
فعلاً،
لا أعرف لماذا أعيش هذه الحياة.
وأنا الآن
في صراع كبير، فجّرته أنت بداخلي.
أشعر أنني
يجب أن أغادر بيتك، كي لا أستمع إلى ما تريد أن تحدثني به.
لكن هناك
شعور آخر يضغط عليّ بأن أبقى، وأصارع نفسي بنفسي.
ولا أعرف
من سينتصر في النهاية.
هذه هي
قصتي، سيد سمارك.
وأرجو
منك أن تسمح لي بالمغادرة.
قال سمارك
بهدوء: يا سمير، لا يحق لي أن أبقيك هنا وأنت غير راضٍ.
ولا أريدك
أن تغادر وأنت بهذه الحالة.
أطلب منك،
وأرجوك، أن تأخذ كلامي على محمل الجد.
يمكنك
المغادرة في أي وقت، وسأكون قد خسرت شخصًا أعاد لي الأمل بالعزف، بعد أن أبعدتني وفاة
زوجتي عن الغيتار.
وجودك
أعادني إليه.
وأعتقد
جازمًا أننا نكمل بعضنا، في حياة فيها الكثير من التشرد والضياع.
أنا في
بداياتي، وأنت في بداياتك أيضًا.
وأعتقد
أننا سنعطي الحياة أمثولة رائعة إذا أكملنا معًا.
لكن كل
شيء يتوقف على قبولك أو رفضك.
فلك الحرية
التي تختارها الآن.
خرج سمير
من الغرفة دون أن ينطق بكلمة، أو يعطي أي إشارة.
توجه إلى
خارج المنزل، ووصل إلى الحديقة.
جلس على
أحد المقاعد، ووضع رأسه بين يديه.
كانت الأفكار
تتصارع في داخله.
وقف بين
الحين والآخر، ومشى، ثم عاد وجلس.
وفي النهاية،
توجّه نحو البوابة، وهمّ بفتحها.
لكن قبل
أن يفتحها، انفتحت من الجهة الأخرى، وظهرت أمامه هيلغا، ابنة السيد سمارك.
قالت هيلغا
وهي تفتح البوابة وتفاجأ بوجود سمير: مرحبًا سمير، ماذا تفعل هنا؟ هل أزعجك أبي بشيء؟
هيا بنا،
لنحلّ الأمور بينك وبينه.
أمسكت
بيده وسحبته خلفها إلى الداخل.
وحين وصلت
إلى غرفة والدها، قالت بنبرة عاتبة: لا تغيّر عادتك يا أبي، بطرد كل من يعمل عندك،
حتى لو كان بقلب طيب، ويحب أن يخدمك.
دخلت الغرفة،
وسمير خلفها، وقد بدا عليه التردد.
قال سمارك
بهدوء: هذه المرة أنتِ على خطأ كبير، يا هيلغا.
لم أزعج
سمير أبدًا، بل هو يعيش صراعًا داخليًا قويًا.
وأرجو
أن ينتهي هذا الصراع كما أحب أنا، لا كما يحب هو.
قالت هيلغا
باستغراب: ولماذا يوجد صراع داخل سمير؟
أكيد أنت
من حرّك هذا الصراع يا أبي!
قال سمير
وهو ينظر إليها بامتنان: آنسة هيلغا، والدك ليس السبب في ما أنا فيه الآن، بل هو من
أشعل بداخلي الصراع الذي أعيشه منذ وطئت هذه الأرض.
وأنا أشكره
على ذلك، وأشكرك أنت أيضًا، لأنك أعدتني إلى رشدي، وأرجعتني إلى هنا.
كنت على
وشك الهروب من الحقيقة التي أعيشها منذ ثلاث سنوات، لولا حضورك المفاجئ، وطريقتك الحازمة
في إدخالي. لقد أعادت إليّ السكينة. سأبقى هنا، مهما كلفني الأمر.
قال سمارك
وهو يبتسم: هذا خبر يفرحني جدًا يا سمير.
قالت هيلغا
وهي تضحك: يعني، دون أن أدري، أعدت الأمور إلى نصابها كما يجب.
يبدو أنني
يجب أن أشكر نفسي!
قال سمارك
وهو يضحك معها: نعم، لقد كان تدخلك في مكانه الصحيح.
ويا ليت
سمير يخبرنا كيف انتهى الصراع في داخله.
قال سمير
وهو يتنفس بعمق: في لحظة غضب من نفسي، قررت أن أغادر، لا لأني على حق، بل لأنني غاضب
من نفسي.
وحين ظهرت
الآنسة هيلغا، شعرت وكأنها صفعتني على رأسي، فعادت إليّ السكينة.
سرت معها
إلى هنا بشكل انقيادي، لا عفوي.
وها أنا،
خادم لك منذ الآن، اطلبني تجدني أمامك.
قال سمارك
وهو يضع يده على كتف سمير: أهلًا وسهلًا بعودتك.
لكنني
لا أريدك خادمًا، ولا أريد أن أكون مخدومًا.
أنا بحاجة
إليك، وأنت بحاجة إليّ.
فلنقدّم
كلٌ منا للآخر ما يحتاجه، بشكل صحيح.
ثم تابع
بابتسامة دافئة: واليوم، احتفالًا بما وصلنا إليه، لن نخرج من البيت.
ستعدّ
لنا هيلغا شيئًا طيبًا وتقدّمه لنا.
ما رأيك
يا هيلغا؟
قالت هيلغا
وهي تضحك: لقد فاجأتني بهذا الطلب يا أبي، لكنني لن أرفضه أبدًا.
نادت الخادمة،
وتحدثت معها بصوت خافت، ثم لحقت بها إلى المطبخ.
عاد سمارك
وسمير إلى الغرفة، ليكملا الحديث.
قال سمارك
وهو يتأمل سمير: لاحظت أن لغتك الإنجليزية جيدة.
هل تعلمتها
هنا أم في لبنان؟
قال سمير:
نحن في لبنان نتعلم ثلاث لغات في المدرسة: العربية، والفرنسية، والإنجليزية.
لكن اللغة
المطلوبة بشكل عام هناك هي الإنجليزية، لذلك كنت أحب أن أتعلمها.
وحين أكون
مع من يتحدثون الإنجليزية، لا أتكلم إلا بها.
وحين جئت
إلى هنا، تغيرت اللكنة، لا اللغة.
فتعلمت
لكنة هذه الولاية بشكل جيد.
قال سمارك
وهو يرفع حاجبيه: غريب! لماذا يعلّمونكم ثلاث لغات في لبنان؟
وهل تجيد
الفرنسية أيضًا؟
قال سمير
وهو يبتسم بخجل: نعم، أُجيد الفرنسية، فهي كانت اللغة الثانية بعد العربية.
أكتبها
وأقرأها بشكل مقبول، وكذلك الإنجليزية، أقرأها وأكتبها أيضًا.
قال سمارك
وهو يرفع حاجبيه بإعجاب: هل تعرف أغنية فرنسية وتعزفها على الغيتار؟
قال سمير:
لا أعرف أغنية كاملة، لكن يمكنني عزفها بشكل جيد، وإن كان ببطء.
قال سمارك
وهو يمد له الغيتار: اسمعني، وسأحكم عليها.
بدأ سمير
يعزف قطعة موسيقية فرنسية، وغنى مقطعًا منها بصوت خافت، فنال استحسان سمارك، الذي ابتسم
وقال: لديك حس موسيقي جميل، حتى وإن لم تكن محترفًا.
في تلك
اللحظة، عادت هيلغا وهي تحمل صينية من الحلويات، وبدأت توزعها عليهم.
أخبرها
والدها بما اكتشفه عن لغات سمير، فتفاجأت وقالت: ثلاث لغات؟ كيف ذلك؟
روى لها
سمير القصة كاملة، عن التعليم في لبنان، وعن حبه للإنجليزية، وتعلّمه للفرنسية، وبقوا
يتحدثون ويتبادلون القصص حتى حان وقت الغداء.
بعد الغداء،
قال سمارك وهو يتثاءب: سأذهب لأخذ قسط من الراحة.
سمير،
يمكنك أن تنام على الأريكة في الغرفة، إن أردت.
نام سمير
بسرعة، فقد كان متعبًا من أحداث الصباح.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا، بكم امل ان تجدوا ما يجعلكم تتابعون المدونة دائما،
مع محبتي واحترامي