ردّ عليه
الطبيب جندر بهدوء وحزم: هذه هي نقطة ضعفك، ويجب أن تواجهها لتتحرر منها.
الحديث
عنها سيمنحك راحة داخلية، فلا تخف من الذكريات، بل واجهها.
فرك سمارك
رأسه وجبينه، وبعد لحظة صمت، قال بصوت متهدّج: حين علمنا أنه لا أمل في شفائها، وفي
تلك الليلة الأخيرة، طلبت مني أن أتركها وحدها، كي تموت دون أن أراها.
قالت لي:
"أريدك أن تتذكرني كما كنت، لا كما سأكون حين أفارق الحياة."
رفضت طلبها،
وبدأت أعزف بقوة، المعزوفة التي تحبها، علّها تنسى طلبي بالمغادرة.
لكن حين
شعرت أنها رقدت، ولم تعد تشعر بشيء، عزفت معزوفتها للمرة الأخيرة، ثم خرجت من الغرفة،
وقررت ألا أبقى على قيد الحياة بعدها.
لكن...
ظهرت هيلغا أمامي، وقالت لي: "لقد ماتت أمي، أليس كذلك يا أبي؟
لمن سأشكو
إن لم يسمع والدي كلامي؟"
أعادتني
إلى الواقع، وقررت أن أبقى من أجلها.
لكن فعلاً،
أنا أعاني من ألم في أسفل ظهري، يجعلني أتألم كثيرًا، لكنني تأقلمت معه، واخترت الكرسي
المتحرّك، لأنه يخفف عني الألم.
صفّق الطبيب
جندر وقال: لقد قطعنا نصف الطريق نحو الشفاء!
الآن،
علينا أن نفحصك باللمس والضغط، لنعرف مدى خطورة حالتك.
مدّده
على طاولة الفحص، وبدأ يتحسس مفاصله بأصابعه، ويضغط على الأماكن التي قد تكون متكلّسة.
ثم قال
له: الآن ننتقل إلى غرفة الأشعة.
صوّره
عدة صور شعاعية، ثم عاد إلى غرفة العيادة، وبدأ يتأمل الصور، ويشير بأصبعه إلى كل موضع
فيه ضرر.
قال الطبيب:
قبل أن تعود إلى البيت، علينا اليوم أن "نفرقع" بعض العظام.
أعاد تمديده
على الطاولة، وبدأ يشدّ رجليه، ويديه، ورقبته، وكانت كل عظمة تُفرقع بصوت واضح.
ثم وصل
إلى أسفل الظهر، واستخدم تقنية خاصة، فرقعت كل عظام ظهره مع الورك، وكان العمل على
الجانبين.
بعد ذلك،
طلب منه أن ينزل عن الطاولة ويقف، ففعل ذلك دون أن يشعر بأي ألم.
ثم قال
له: اذهب إلى الشرفة وعد.
ففعل ما
طُلب منه، ثم قال له الطبيب: الآن، قرفص دون أن تمسك بشيء.
فحاول،
وتمكن من الحركة، رغم أنها كانت بصعوبة مقبولة، وهو لم يكن يستطيع فعل ذلك من قبل.
قال الطبيب
وهو يبتسم: السيد سمارك أصبح رجلًا جديدًا الآن!
لكن لكي
يستمر التحسّن، عليه أن يستخدم بعض الزيوت التي سأصفها له، ويدلّك بها جسده مرتين يوميًا،
صباحًا ومساءً.
وأضاف:
لك حرية الاختيار، إما أن يتم التدليك هنا في العيادة، أو في أي مكان ترتاح فيه.
سأل سمارك:
وكم من الوقت يستغرق التدليك بالزيت؟
أجاب الطبيب:
حوالي ساعة، أو أكثر قليلًا، لكن مع تقدّم العلاج، وحسب نشاطك، سيقلّ الوقت تدريجيًا.
في هذه
اللحظة، تحدثت هيلغا إلى والدها بالألمانية، فردّ عليها بنفس اللغة، وكانت نبرة حديثهما
مليئة بالامتنان والدهشة.
قال الطبيب
جندر وهو يبتسم: أنا سعيد لأنكم تتحدثون الألمانية، فهي لغة أتقنها بطلاقة.
وأشكر
الآنسة هيلغا، لأنها نصحتك بأن تكون مراحل علاجك كلها هنا في العيادة.
قال سمارك
وهو ينظر إليه بثقة: ليكن العلاج كله عندك، كم مرة تريدني أن آتي إلى العيادة في الأسبوع؟
أجاب جندر
وهو يفتح دفتره: في الأسبوعين الأولين، ستأتي كل يوم، صباحًا ومساءً.
وبعد ذلك،
سيتغير النمط حسب تحسّنك.
وأفضل
أيضًا أن تأخذ بعض المكملات الغذائية من الأعشاب، لمدة ثلاثة أشهر، فهي مفيدة جدًا
لمفاصلك وعضلاتك الكسولة.
قالت هيلغا
وهي تنظر إلى والدها: أليس من المفيد أن تدهن له جسده الآن؟
أجاب الطبيب:
نعم، سيكون مفيدًا، لكن يجب أن يكون لديه ملابس ومناشف خاصة لهذا العلاج.
لذلك،
الأفضل أن نبدأ غدًا صباحًا.
ثم أعطاهم
ورقة فيها كل التعليمات: كيف يجب أن يجلس، وكيف يقف، وكيف يرتدي ثيابه، والأفضل أن
يجلس على فراشه، وما هي الأغراض التي يجب أن يحضرها معه في كل زيارة.
قال سمير
ممازحًا: أعتقد أنك لن تفلت من يدك أي نوتة، وأنت تعزف على الغيتار بعد اليوم!
ضحك الطبيب
وقال: بالتأكيد، ستتغير طريقة عزفك على الغيتار، لأن مفاصلك ستصبح أكثر مرونة، وستعطي
النغمات أجمل مما كانت.
قال سمير
وهو يضحك: يبدو أنني أيضًا بحاجة إلى علاج، كي تلين أصابعي بعد انقطاع طويل عن العزف.
ردّ عليه
الطبيب: أنت في عمر يسمح لك بتمرين أصابعك بسرعة، ويمكنك أيضًا تناول بعض عقاقير الأعشاب،
فهي مفيدة لك.
قال سمير:
شكرًا جزيلًا لك، أيها الطبيب.
بعد انتهاء
المعاينة، وأخذ التعليمات، غادروا العيادة، لكن هذه المرة، لم يستعمل السيد سمارك الكرسي
المتحرّك.
كانت تلك
اللحظة كأنها ولادة جديدة، شاهدته هيلغا يمشي، فشعرت براحة وفرح عميقين.
وفي السيارة،
قالت له وهي تمسك يده: أبي، أنا سعيدة جدًا، لأنني رأيتك تمشي دون كرسي.
أجابها
وهو يبتسم: من عنده هيلغا، مجبَر أن يتغيّر.
فضحك الجميع،
وكانت ابتسامة سمير لا تفارق وجهه.
وحين وصلوا
إلى البيت، دخل السيد سمارك سيرًا على قدميه.
شاهدته
فلالا، فانفجرت بالبكاء والضحك في آنٍ واحد، وقالت وهي تضع يدها على فمها: لا أصدق
ما أراه! السيد سمارك يمشي دون كرسي متحرّك! كم هذا جميل!
قال لها
سمارك وهو يربّت على كتفها: شكرًا لكِ يا فلالا، حتى أنتِ كنتِ حزينة لأنني كنت أستعمل
الكرسي.
قالت فلالا
وهي تمسح دموعها: بالتأكيد، سيدي.
والآن،
أشاهدك تسير على قدميك، فهذا شيء جميل جدًا جدًا.
لكن حين
وصلوا إلى الدرج، كانت قصة أخرى.
شعر السيد
سمارك بالخوف من صعوده وحده، فتمسّك بخشبة الدرج، وحاول أن يرفع رجله، لكنه لم يستطع
كما يجب.
فمدّ يده،
وحاول أن يمسك رجله ويرفعها بنفسه.
قالت له
هيلغا بلطف: ما رأيك أن تحاول دون أن تستعمل يدك؟
حاول السيد
سمارك صعود الدرج مرةً بعد مرة، الأولى، الثانية، الثالثة، الرابعة... لكن في المحاولة
الخامسة، نجح أخيرًا في وضع قدمه على الدرجة الأولى.
ومن هناك،
بدأت "السبحة" تكرّ، فصعد الدرج ببطء، لكن بإصرار ومثابرة كبيرة.
الجميع
كان يشجّعه، حتى وصل إلى الدرجة الأخيرة، فصفّق له الجميع، وأمطروه بالقبلات، فرحًا
بما أنجز.
ضحك سمارك
وقال: أشعرتموني وكأنني طفل صغير، تصفّقون لي في كل خطوة! شكرًا لكم جميعًا.
ثم أضاف
مبتسمًا: سأعاود النزول الآن.
وفعلًا،
نزل الدرجات بسرعة أكبر من صعوده، ثم عاد وصعد الدرجة الأولى بسرعة تفوق المرة السابقة.
كان صعود
الدرج لحظة جميلة، ليس فقط لسمارك، بل للجميع.
قالت هيلغا
وهي تضحك: يجب أن نحتفل اليوم بما أنجزناه، من تقدّم صحي لأبي.
سنزور
الكنيسة، ثم نتناول الغداء في أحد المطاعم.
وافق الجميع
بسرعة، واتصلوا بسيرج وزوجته، واتفقوا على اللقاء في أحد المطاعم المعروفة لديهم.
وفي المساء،
عادوا إلى المنزل، والسعادة تملأ وجوههم، بما أنجزه السيد سمارك.
وكانت
السهرة الكبرى، مباراة عزف على الغيتار، بين السيد سمارك وسمير.
سيطرت
الضحكات على الأجواء، حتى حان وقت النوم، فاتجهوا جميعًا إلى غرفهم، وكل واحد منهم
يحمل ذكرى جميلة من هذا اليوم الميمون.
في صباح
اليوم التالي، استيقظ سمير على أصوات في الحديقة.
نهض من
فراشه، ونظر من النافذة، فرأى نتالي، الفتاة التي تعرّف عليها سابقًا، تتحدث مع فلالا
بصوت مرتفع وتضحك.
خرج إلى
الحديقة، ورحّب بنتالي، ثم سألها بلطف: لماذا أنتِ هنا اليوم؟
أجابت
نتالي بابتسامة: جئت لأقابل الآنسة هيلغا.
قال سمير
ممازحًا: وهل لاحظتِ أن صوتك عالٍ جدًا؟
ضحكت نتالي
وقالت: هذا الصوت ورثته من أمي، وهي تسلّم عليك.
ثم أضافت:
أمي من قرية "كهف الملول" في زغرتا، هل تعرفها؟
قال سمير
معتذرًا: عذرًا، لم أسمع بها من قبل،لكن يمكننا أن نعرف أين تقع.
ثم سأل:
وأين الآنسة هيلغا؟
أجابت
نتالي: إنها في غرفتها.
سأل سمير:
كم الساعة الآن؟
أجابت
فلالا: الساعة السابعة والربع.
قال سمير
مستغربًا: أليس مبكرًا أن تأتي إلى هنا؟
قالت نتالي:
لدينا بعض العمل مع الآنسة هيلغا، يجب إنهاؤه قبل العودة إلى الشركة.
ثم التفت
سمير إلى فلالا وسألها: أين السيد سمارك؟
أجابت
فلالا: لقد ذهب إلى عيادة الطبيب، برفقة السيد سيرج.
قال سمير
مستغربًا: ولماذا لم يوقظوني لأذهب معهم؟
ردّت فلالا
وهي تهز كتفيها: لا علم لدي.
في تلك
اللحظة، أطلت هيلغا من غرفتها، وسلّمت على الجميع، ثم طلبت من نتالي أن تدخل إلى الصالون،
ليجتمعا معًا من أجل إنهاء بعض الأعمال.
قال سمير
وهو يقترب منها: آنسة هيلغا، لماذا ذهبا إلى عيادة الطبيب من دوني؟
أجابت
هيلغا بهدوء: أبي بحاجة إلى من يقود السيارة، فطلب من خالي سيرج أن يوصله، ورأوا أنه
لا ضرورة لوجودك هناك.
سأل سمير:
وفي أي وقت ذهبا؟
أجابت
فلالا: قبل أن تصل الآنسة نتالي، يعني حوالي الساعة السابعة.
قال سمير
مترددًا: هل تحتاجينني الآن، آنسة هيلغا؟
أجابت
هيلغا بوضوح: لا، لست بحاجة إليك الآن.
قال سمير
وهو يتهيأ للخروج: إذًا سأخرج لأركض في الخارج.
ردّت هيلغا
بابتسامة خفيفة: افعل ما تشاء، لديك حوالي ساعتين من الوقت.
خرج سمير
بعد أن جهّز نفسه للركض، وفي أثناء هرولته، شاهد أحد الشباب الذين كان يتسكّع معهم
سابقًا، قبل أن يستقر في منزل السيد سمارك.
حاول أن
يتحاشاه، لكن الشاب انتبه له، وأوقفه قائلاً: أين أنت؟ لم أرك منذ أن تركت الغرفة.
هل دبّرت
مكانًا للسكن؟ ولماذا لم تعرّفنا على مكان عملك؟ نريد أن نزورك.
قال سمير
بحذر: في مكان سكني الجديد، غير مسموح لي أن أستقبل أحدًا، لذلك لم أخبر أحدًا أين
أسكن.
ردّ الشاب
بنبرة تهديد: لكننا سنزورك، ولا تنسَ أن عليك دينًا لنا.
وإذا لم
تدفع، فأنت تعرف ما يمكن أن يحصل... فالحوادث تحصل، أليس كذلك؟
قال سمير
وهو يحاول التهدئة: أعطني مهلة حتى نهاية الشهر، سأكون قد حصلت على أول نصف راتب، وسأدفع
كل الدين الذي عليّ.
قال الشاب
وهو يبتعد: بقي عشرة أيام، وأرجو ألا تتأخر.
شكر سمير
الشاب، وتابع هرولته، لكن القلق بدأ يتسلل إلى قلبه.
عند عودته
إلى البيت، شعر بأن ذلك الشاب يراقبه، رغم أنه لا يعرف مكان المنزل تحديدًا.
فغيّر
طريقه، والتف حول المكان، فرآه يراقب من خلف شجرة، يحاول أن يعرف أين يسكن.
فلبث سمير
في مكانه، يراقب من يراقبه، حتى ضجر الشاب، ورحل دون أن يحصل على مراده.
عندها،
عاد سمير إلى المنزل، لكن تأخّر أكثر مما ينبغي.
وحين دخل،
استقبله السيد سمارك بنبرة قلقة: أين كنت؟ ولماذا تأخّرت كل هذا الوقت؟
قال سمير
معتذرًا: أعتذر منك، سيد سمارك.
لم أنتبه
للوقت، لأنني لا أرتدي ساعة.
وقد صادفت
أحد الشباب الذين كنت أتسكّع معهم سابقًا، وتحدثنا عن الأيام الماضية، ومرّ الوقت دون
أن أشعر. أعتذر مرة أخرى.
قال سمارك
بنبرة حازمة لكن ودودة: أرجو ألا تكرّر ذلك، فقد انشغل بالي عليك.
ومن الآن،
ستحصل على ساعة.
ثم طلب
من فلالا أن تحضر له الساعة الموجودة في أحد أدراج غرفته الخاصة.
عادت فلالا
بعد دقائق، ومعها ساعة أنيقة، قدّمتها للسيد سمارك، فأعطاها لسمير، فوضعها في يده،
وتأكّد من الوقت، فكانت دقيقة جدًا.
شكر سمير
السيد سمارك على الساعة، ثم دخل إلى غرفته ليستحم، وبعدها خرج وتوجّه إلى غرفة السيد
سمارك الخاصة.
قال له
وهو يجلس قربه: كيف كان التدليك؟
هل كان
مريحًا أم متعبًا؟ ولماذا لم توقظني لأذهب معك؟
ابتسم
سمارك وقال: مبروك الساعة، الآن أصبحت تعرف الوقت.
أما عن
عدم إيقاظك، فلم أجد حاجة لوجودك هناك، لذلك خرجت دون أن أوقظك، لكن تأخّرك أقلقني.
وبخصوص
التدليك، فقد كان مؤلمًا في بعض الأماكن، ومريحًا في أخرى.
حتى أنني
شعرت وكأنني "علكة"! لكن مشيتي تغيّرت كثيرًا، ومفاصلي أصبحت أكثر ليونة.
قال سمير
وهو ينظر إليه بتأثر: شكرًا على عطفك، وأشكرك على كل ما تقدّمه لي.
آمل أن
ترتاح من جلسات التدليك والتزييت.
ضحك سمارك
وقال: أعجبتني كلمة "التزييت"!
فعلاً،
أشعر بالندم لأنني لم أذهب إلى هذا الطبيب منذ زمن.
ثم أضاف
سمير بتردد: عذرًا، سيد سمارك... أشعر أنك لم تعد بحاجة إلى من يجرّك بالكرسي المتحرّك،
وهذا يعني أن مبرر وجودي هنا قد انتفى.
قال سمارك
وهو ينظر إليه بثبات: ما تفكّر به صحيح من الناحية الصحية، فأنا لم أعد بحاجة لمن يجرّني.
لكن بالتأكيد،
يوجد عمل آخر لك عندي.
لا تخف
من فقدان مصدر رزقك، الذي لم تحصل منه على الكثير بعد.
دعني أفكّر
أين يمكن أن أضعك، لكن في الوقت الحالي، ابقَ حيث أنت، في غرفة البوّاب.
قال سمير
وهو يبتسم بامتنان: أشكرك جدًا، سيد سمارك، على كرمك.
قال سمارك
وهو ينهض: ما رأيك أن نعزف على الغيتار حتى وقت الغداء؟
جلسا في
غرفة السيد سمارك الخاصة، وعزف كل واحد منهما معزوفة، وكان كل منهما يراقب الآخر، هل
تفلت منه نوتة؟ هل يخطئ في عزفه؟
كانت تلك
لحظات تسلية جميلة، حتى حان وقت الغداء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا، بكم امل ان تجدوا ما يجعلكم تتابعون المدونة دائما،
مع محبتي واحترامي