الجمعة، 5 يونيو 2026

الجزء التاسع والأخير من قصة الملاك الحارس

 



الجزء التاسع والأخير من قصة الملاك الحارس


دخل السيد سمارك كعادته لأخذ قيلولة، وذهب سمير إلى غرفته لينام أيضًا.

حين استيقظ سمير، وجد سيرج بانتظار السيد سمارك، ليأخذه إلى عيادة الطبيب المعالج.

طلب سمير من سيرج أن يأخذه معه، لكن حين وصل السيد سمارك، قال له: لا حاجة لك اليوم، ابقَ في البيت.

خرج الاثنان، وبقي سمير في غرفته، لكنّه لم يعرف ماذا يفعل.

فخرج واتجه إلى البيت، ونادى على فلالا.

ردّت عليه، فسألها: هل لديكِ مسجّلة صغيرة مع سماعات وكاسيت موسيقي؟ أريد أن أستعيرها.

قالت فلالا: نعم، لدي واحدة، لكنها قديمة، ولا أعرف إن كانت تعمل أم لا.

دخلت فلالا إلى غرفتها، وأحضرت المسجّلة والسماعات وبعض الأشرطة، وقدّمتها لسمير.

أخذها وعاد إلى غرفته، وحاول تشغيل المسجّلة، لكنها لم تعمل.

عاد وسأل فلالا إن كان لديها شريط كهرباء أو بطاريات جدد، فأعطته كل ما لديها من قطع تخصّ المسجّلة.

وفي طريق عودته إلى غرفته، دخلت هيلغا ومعها شاب غريب، سلّم عليهما، وقال لهيلغا: أنا في غرفتي إذا احتجتِ إليّ، سأحاول إصلاح المسجّلة والاستماع إلى الموسيقى.

وبعد أن وصل إلى غرفته، وصل المسجّلة بالكهرباء، فبدأت تعمل كما يجب.

وضع أحد الأشرطة، وبدأ يستمع إلى الموسيقى، وجرّب كل الأشرطة، حتى وجد شريطًا يناسب مزاجه.

استلقى على الفراش، وأصبح يستمع ويتأمل، دون أن ينتبه للوقت.

فجأة، دخلت فلالا إلى غرفته وهي تصرخ.

نزع سمير السماعات عن أذنيه، وسألها بقلق: ما بكِ؟

قالت وهي ترتجف: الشاب الذي مع الآنسة هيلغا يعتدي عليها في غرفتها، ولم أستطع الدخول إليها!

ركض سمير بسرعة نحو البلكون، ونظر من النافذة، فرأى الشاب فوق هيلغا، يضربها بعنف.

لم يتردّد، أمسك بحجر، وكسر به زجاج النافذة، ودخل الغرفة.

لم يعرف ماذا يفعل، فرفع طاولة صغيرة كانت قرب السرير، وضرب بها الشاب، فهوى على الأرض.

لفّه بملاءة وربطه بها، ثم تفقد هيلغا، فوجدها تنزف من أنفها وفمها وجبينها، وثيابها ممزقة.

غطّاها ببطانية، وطلب من فلالا أن تتصل بالطوارئ، فقالت له إنها فعلت ذلك بالفعل.

في هذه الأثناء، وصل السيد سمارك وسيرج إلى المنزل، فأخبرتهما فلالا بما حدث.

دخل سيرج فورًا إلى الغرفة، وبأسئلة سريعة، فهم كل ما جرى.

ربّت على ظهر سمير، وقال له: لا تخف حين تحضر الشرطة.

أما السيد سمارك، فبعد أن تفقد ابنته واطمأن عليها،

قال لسمير: شكرًا لك، لا تخف، مكتب المحاماة لدينا سيدافع عنك.

وصلت وحدات الشرطة والإسعاف وحتى الإطفائية، وبعد التأكد من حالة هيلغا، قرّروا نقلها إلى المستشفى.

واعتقلوا الشاب المعتدي، وبدأ رجال الأمن التحقيق مع الجميع، خصوصًا سمير، الذي روى لهم ما حدث بالتفصيل.

بدأت الأدلة الجنائية عملها، ورفعت البصمات من المكان.

في هذا الوقت، وصل محامي السيد سمارك إلى المنزل، وتابع التحقيق مع رجال الشرطة.

وبعد انتهاء التحقيق الأولي، قرّر رجال الشرطة أخذ سمير معهم إلى المركز، فرافقه المحامي، وعمل على إطلاقه بسند كفالة.

وبالفعل، تم الإفراج عنه، وعاد إلى المنزل.

طلب المحامي من سمير ألا يغادر المنزل، إلا لأمور ملحّة جدًا، لأن الشرطة قد تطلبه في أي لحظة.

وكان الوقت قد تأخّر، فنام الجميع حتى الصباح.

استيقظوا جميعًا باكرًا: السيد سمارك، سمير، فلالا، ثم حضر سيرج وزوجته.

وكان الحديث كله عمّا جرى في الأمس.

قال سمير وهو ينظر إلى السيد سمارك: سيد سمارك، هل كان هذا الشاب يأتي إلى هنا مع هيلغا دائمًا؟

أجاب سمارك: نعم، على حد علمي، كان يأتي من وقت إلى آخر، ولم ألاحظ عليه أي حركة غريبة.

قال سيرج بصراحة: لأكن صريحًا، أنا شخصيًا لم أستلطفه أبدًا، لكنني لم أعرف ما الذي كانت هيلغا تراه فيه.

قال سمارك وهو ينظر إلى الأرض: أنت تعرف كم أحب هيلغا، وتعرف أنها أصبحت راشدة، لذلك لم أعطِ رأيي فيه على الإطلاق، بل لم أجالسه كثيرًا.

وأرجو أن تكون قد تعلّمت من هذا الحادث.

قال سمير وهو يتنهّد: أشكر الله أن ضربتي لم تقتله، وإلا كنت الآن في السجن.

قال سيرج وهو ينظر إلى سمير بإعجاب: لقد قمت بعمل بطولي كبير، ولولا وجودك هنا، لكانت القصة أخذت منحى آخر تمامًا.

قال سمارك وهو يتنهّد: نعود إلى قصة "الملاك"... وجود سمير أنقذ هيلغا من موت محتم.

أعتقد أن هذا الموقف سيغيّر الكثير من طباعها.

ضحك سيرج وقال ممازحًا: هل أنا أيضًا سبب في حضور هذا الملاك الحارس؟

ردّ سمارك وهو يبتسم: لا شك عندي أبدًا، أنت من أحضرت هذا الملاك إلى منزلنا، وكلنا يعلم كم غيّر حضوره فينا أمورًا كثيرة.

وها هو اليوم ينقذ وحيدتي من الموت.

ثم أضاف بنبرة حزينة: لقد تعرّضت لكسر في أنفها، وكسر في فكها السفلي، وعدد لا يُستهان به من الكدمات والجراح السطحية.

وهي تحتاج إلى علاج طويل لتعود كما كانت.

في تلك اللحظة، رنّ جرس الهاتف، فردّ عليه سيرج، ثم طلب من سمارك أن يتحدث مع المحامي.

تحدثا عن آخر المستجدات، وتبيّن أن الشاب كان تحت تأثير المخدرات، وأن هيلغا أيضًا كانت مخدّرة، ولا يُعرف بعد إن كانت مدمنة، أم تم تخديرها دون علمها.

قال المحامي إن الأمور تحتاج إلى وقت للتحقيق، فأغلق سمارك الهاتف، وفرك رأسه وقال بقلق: هل يُعقل أن تكون هيلغا مدمنة؟ أرجو أن يكون الخبر غير صحيح.

قال سمير بتردد: هل يمكنني أن أذهب معكم لأطمئن على هيلغا؟

أجاب سمارك: سأسأل المحامي، وحسب رده نقرر.

اتصل بالمحامي، وكان رده: لا مانع طالما هو مع المجموعة.

تجهّز الجميع للذهاب إلى المستشفى، وعند الوصول، دخل السيد سمارك أولًا، ثم سيرج، وبعد دقائق، خرج سمارك وقال لسمير: هيلغا تريد أن تراك، ادخل إليها.

دخل سمير، فاستقبلته هيلغا بابتسامة كبيرة، لكنها كانت متعبة، والألم ظاهر على وجهها.

سألها عن حالتها الصحية، وكيف تشعر الآن.

ومن بعض الكلمات التي استطاعت أن تقولها، فهم أنها تشكره، وتعتذر منه لأنها ورّطته في هذه القضية.

قال لها سمير بلطف: أنا فعلت ما يجب أن أفعله مع أي شخص، فكيف بالحري مع من تتمنى أن أكون أخًا لها.

حين تستعيدين عافيتك، سيكون لنا حديث طويل بهذا الشأن.

ثم خرج، وانتهت الزيارة.

في طريق العودة إلى المنزل، شاهد سمير ذلك الشاب الذي كان يتسكّع معه سابقًا، يسير في الشارع.

طلب من سيرج أن يوقف السيارة، ثم طلب من السيد سمارك خمسمئة دولار، فأعطاه إياها.

نزل من السيارة، وطلب منهم أن يتابعوا إلى المنزل، لأنه يريد أن يسدّد دينًا قديمًا.

تقدّم سيرج قليلًا، ثم وقف على جانب الطريق، يراقب سمير من خلال مرآة السيارة.

رأى سمير وهو يعطي المال للشاب، ثم سلّم عليه، وغادر الشاب.

عاد سمير إلى السيارة، وقال لهم: لماذا انتظرتموني هنا؟

قال سيرج: خفت عليك، لذلك انتظرتك.

ثم سألوه: هل يوجد أحد آخر له دين عليك؟

قال سمير: نعم، يوجد شخص آخر له عليّ خمسمئة دولار أيضًا، وهو آخر من استدنت منه.

طلب منه سيرج أن يعطيه عنوان ذلك الرجل، فتوجّهوا إليه، ودفع له المبلغ المتوجب عليه، ثم عادوا إلى المنزل.

قال سمير وهو يشعر براحة عميقة: أشكركم جزيل الشكر، لأنكم أزلتم عن كاهلي ثقل الدين.

هذا جعلني شخصًا مرتاحًا، ولم يعد يشغلني شيء من الماضي.

لقد أغلقت ذلك الباب نهائيًا.

عادت هيلغا إلى المنزل، بعد مكوثها في المستشفى لأكثر من شهر، وخضوعها لعدة عمليات جراحية دقيقة في الرأس، وكسر في العين اليمنى، وكسر في الأنف، وكسر في الساق اليمنى، وكسر ضلعين في القفص الصدري.

كان علاجها والعناية بها عملّا مرهقًا، لها ولمن حولها، لكنها بدأت تستعيد نشاطها وحيويتها تدريجيًا، واستغرقت رحلة التعافي أكثر من سنة.

لكن أهم ما انتظره الجميع، كانت نتائج الفحوصات، التي أثبتت أن هيلغا لم تكن مدمنة على المخدرات، بل تم تخديرها بطريقة ملتوية، من قبل ذلك الشاب، لينال منها ما أراد في ذلك اليوم المشؤوم.

مرت الأيام ثقيلة على عائلة سمارك، وكان الجميع يشعر بثقل تلك المرحلة، بين صحة هيلغا، وبين المحاكمة، وبين القلق الذي لا يهدأ.

استمرت المحنة ستة أشهر، كانت من أصعب مراحل حياة السيد سمارك.

لكن حين صدر الحكم بحق المعتدي، بالسجن لسنوات طويلة، واعتُبر سمير بريئًا من أي جرم،

لأنه كان في حالة دفاع عن هيلغا، استعادت العائلة فرحها، وعاد الأمل إلى البيت من جديد.

وبناءً على ذلك، تقدّم مكتب المحاماة التابع للشركة، بطلب منح سمير الإقامة في الولايات المتحدة.

 

بعد الحادث، وظّف السيد سمارك سمير في شركته المالية، وأصبح له راتب ثابت، لكن عمله كان من المنزل، قريبًا من هيلغا، التي كانت تصرّ على مناداته بـ "أخي".

أصبح حضوره في بيت السيد سمارك، كأحد أفراد العائلة، لا يُستغنى عنه.

وكان يخصص مبلغًا شهريًا لأهله في لبنان، يرسله إليهم بانتظام، وأصبحت قصته تُروى في منطقته، كقصة بطل كبير، أنقذ فتاة من الموت، ودافع عن الحق، وغيّر مصيره بصدق وشجاعة.

نهاية القصة... وبداية حياة جديدة

هكذا، انتهت القصة، لكنها لم تكن نهاية، بل بداية لحياة جديدة، بُنيت على التضحية، والحب، والإيمان بأن الخير لا يضيع.

غسان رزق العلي

طرابلس في – 6 / 8 / 2025


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا، بكم امل ان تجدوا ما يجعلكم تتابعون المدونة دائما،
مع محبتي واحترامي

قصة الملاك الحارس

  الملاك الحارس رواية بقلم غسان رزق العلي في عالمٍ يضجّ بالوجوه العابرة، وفي بيتٍ يظنّ أهله أنهم اكتفوا من الحياة، يصل شخصٌ بسيط، لا ي...

بحث هذه المدونة الإلكترونية