المرحلة الثانية
بعد
انتهاء مغامرتهما الأولى وحصول كلّ منهما على درع وعشر قطع ذهبية، صعدا إلى البيت،
تغمرهما نشوة الانتصار. كانا يشعران بالفخر بما يحملانه، خاصة الدرعين اللذين
تحولا إلى أساور بأيديهما.
وعندما
وصلا إلى البيت، استقبلتهما والدتهما قائلةً، وهي تلاحظ انشغالهما في الأيام
الأخيرة:
"لماذا
أنتما مشغولان هذه الأيام؟ على غير عادتكما، لا أراكما في الحارة كما كنتما تفعلان
من قبل. هل يمكنني أن أعرف أين تذهبان؟"
أجابها
جمال بسرعة: "ننزل إلى قبر الزير."
ردّت
الأم باستغراب: "لكن لم يكن من عادتكما النزول لوحدكما. أصدقاؤكما يسألون
عنكما لأنهم لا يجدونكما إلا في المساء! على كل حال، لا تذهبا بعيدًا اليوم، لدينا
حمام في البيت، سأُناديكما لتكونا هنا. لا أريد أن أملأ الحارة بالصراخ."
ثم
نظرت إلى أيديهما، وقالت مستغربة: "ما هذا الذي ترتديانه؟!"
"لماذا ترتديان أساور في أيديكما؟"
جمال:
"هذه ليست أساور مثل أساور النساء، بل عليها رسومات. واحدة عليها دب، وهي
التي معي، والأخرى عليها نسر، وهي التي مع غسان."
الأم:
"ومن أين حصلتما عليهما؟"
غسان:
"اشتريناها من السوق، كل واحدة بربع ليرة."
الأم:
"ربع ليرة؟ كان بإمكانكما شراء طعام بها، لكان ذلك أفضل!"
جمال:
"أعجبتنا فاشتريناها!"
الأم:
"حسنًا، مبروك. وكما قلت لكما، لا تتأخرا في المساء!"
وعدها
الأخوان بأنهما سيكونان في البيت على الوقت المحدد، ثم دخلا وهما يشعران بجوع
شديد، فأكلا من حواضر البيت.
بعد
ذلك، خبأ كلٌ منهما كيس القطع الذهبية في مكان مختلف، ثم ذهبا إلى الحارة.
كان
كل من يشاهد الأساور في أيديهما يسألهما من أين حصلا عليها، فكانا يجيبان بأن هناك
بائعًا من حمص كان في الساحة، وقد اشترينا الأساور منه، وكل واحدة بربع ليرة.
ظلّ
هذا الحديث يتكرر حتى أقنعا الجميع، ثم تابعا اللعب مع أولاد الحارة.
بعد
ذلك، عادا إلى البيت، واستحما، وكانا بحاجة ماسّة إلى حمام دافئ، ثم ناما نومًا
عميقًا، ولم يستيقظا حتى وقت متأخر في اليوم التالي.
استغربت
والدتهما من نومهما الطويل، لكنها تركتهما حتى يستيقظا لوحدهما.
بعد
أن تناولا الطعام، انطلقا إلى الحارة للعب مع أقرانهما، لكنهما لم يجدا أيًّا من
أصدقائهما.
قال
جمال: "أنا ذاهب إلى محل أمطانيوس التيموتي لألعب بالفيشة."
أجابه
غسان: "الله معك، أنا لا أحب هذه اللعبة!"
ذهب
جمال إلى وجهته، بينما عاد غسان إلى البيت، وجلس على عتبة الباب، يفكر في كل ما
حصل خلال الأيام الماضية، ويتذكر التفاصيل التي مرا بها.
بدأ
يتأمل ما كُتب على الجدران في المغارة حول أنهما لن يريا هذا المكان مرة أخرى،
فقال في نفسه: "ولكن كيف ستكون هناك مرحلة أخرى، ونحن لا نعرف كيف تبدأ؟ وأين؟
عاد
إلى حقيبته وفتحها، لكنه لم يجد فيها شيئًا!
صرخ
بغضب: "يا أمي! هل أخذتِ شيئًا من هذه الحقيبة؟"
الأم:
"لا، لم ألمسها! ثم لماذا تستخدم هذه الحقيبة؟"
غسان:
"أعجبتني، فهي مريحة ويمكن وضعها على الظهر عند النزول إلى الوادي أو قبر
الزير."
الأم:
"لكن احرصا عليها، فهما غاليتان ومن الجلد الأصلي، جلبتهما من بيروت."
غسان:
"لهذا السبب أعجبتنا، لأنهما من الجلد الأصلي!"
ثم
عاد وجلس على درج الباب، وعقله مشغول بسؤال واحد: أين اختفى الحجر والخرائط؟
في
تلك اللحظة، شعر أن شيئًا غريبًا يحدث أثناء جلوسه، لاحظ غسان أن الدرع بدأ
بإعطائه إشارة، فنظر إليه، وإذا به يرى النسر يتحرك وكأنه يرفرف بجناحيه!
ابتسم
وشعر بالسعادة، إذ كانت هذه أول مرة يرى الدرع يتحرك، مما جعله يفكر فيما إذا كان
ذلك إشارة لبداية جديدة.
في
هذه اللحظة، رأى أحد رفاقه يتجه نحوه.
رفيقه:
"وينك يا زلمي؟ مش مبين! صار لك كم يوم غائب عن الحارة. والله ظننا أنك ذهبت
إلى بيروت كالعادة، فأنت دائمًا تذهب إلى هناك في الصيف."
غسان:
"لا والله، لم نذهب إلى بيروت بعد. كنت أنا وجمال ننزل إلى الوادي والشيحانة،
وقبر الزير، حيث كان يعطيني جمال دروسًا في الصيد."
رفيقه:
"هل تعلمت شيئًا؟"
غسان:
"والله لم أحب الصيد، إنه متعب جدًا! يجب الركض وراء العصفور لمسافة طويلة،
قد تصل إلى كيلومتر، وكل هذا تعب بلا فائدة."
بعد
الانتهاء من حديثهما، اتفقا على الذهاب إلى بيت أبو صميلة للعب الورق
"طرنيب".
وعندما
وصلا، وجدا أبو صميلة وبعض الرفاق ينتظرون في بناية شعشع، فجلسا معهم ولعبا بالورق
حتى وقت الغداء.
عاد
غسان إلى منزله ليجد أخاه جمال قد عاد أيضًا.
غسان:
"أخي، الحجر والخرائط اختفوا! وأيضًا، رأيت النسر يتحرك في الدرع!"
جمال:
"معقول؟ ربما انتهى وقتهم معنا، ولذلك اختفوا! وأنا أيضًا رأيت الدب يتحرك في
الدرع. واليوم كان حظي في الفيشة رائعًا، لقد غلبت كل من لعبت معهم!"
غسان:
"ربما الحجر والخرائط كانا موجودين فقط لفترة محددة. هل تعتقد أن الدب أو
الدرع ساعدك في ذلك؟"
جمال:
"والله ممكن، لأن طريقة لعبي وربحي كانت غريبة جدًا! أعتقد أن الدرع هو الذي
كان يدعمني، وإذا كان الأمر كذلك، فهذا رائع! يعني غدًا سأربح المزيد من
المال!"
غسان:
"اليوم جلست وحدي وسألت نفسي عن الكتابة في المغارة التي قالت إن هناك مرحلة
أخرى. كيف تعتقد أننا سنبدأ المرحلة الثانية يا جمال؟"
تأمل
جمال في كلام أخيه، ثم قال: "والله لا أعرف ماذا أقول يا أخي، دع الأمر على
الله!"
لكن
الحقيقة أنهما كانا يريدان أن تبدأ المرحلة الجديدة بسرعة.
غسان:
"أعتقد أنهم سيعطوننا إشارة، بالتأكيد! ولكن هل يعقل أن نكون قد أنهينا
المرحلة الأولى في يوم واحد فقط؟ يجب أن نأخذ بعض الوقت لنستعد."
وفعلًا،
بعد مرور عدة أيام، كانا يلعبان في الحارة لعبة "نطة مني ونطة منك"، وهي
لعبة تعتمد على القفز فوق شخص آخر دون وجود عدد محدد للمرات.
بدأت
اللعبة عندما وضع أحد الشباب يديه على ركبتيه، ثم "قطف قرعته"، أي حنى
رأسه، ليقفز أحدهم من فوقه، ثم يبتعد عن الأول بحوالي مترين، ويكرر نفس الحركة.
كان
اللعب مستمرًا، الى ان ينتهي كل من يريد المشاركة باللعبة، وكان يوجد العديد من
الأولاد، في وسط اللعب، كانت الأجواء مليئة بالفرح والضحك، حيث كان الأولاد
يتنقلون بين بيوت الحارة، بدءًا من بيت رزق، مرورًا ببيت الحواط، بيت النحاس، بيت
الخربوش، بيت لولو، بيت أبو ديب، بيت الياس، وبيت توما، ثم العودة بنفس الطريق
وصولًا إلى بيت الزلف.
وعندما وصلت اللعبة إلى درج الحارة قرب تنور بيت سعدى، وقع أحد القافزين على الأرض، وجرح يديه ورجليه ووجهه، فتوقفت اللعبة، وتفرقت الجموع بسرعة.
وقف
غسان وجمال يسندان نفسيهما على التنور، لكن فجأة، وجدا نفسيهما في مكان آخر
تمامًا، وسط بركة ماء!
حاولا
الوقوف، لكن ارتباكهما وخوفهما مما حدث جعلهما متوترين، ومع ذلك، تمكنا من الثبات
على أقدامهما بعد قليل.
نظر
كل منهما حوله، فلاحظا أنهما في أرض تشبه أرض الحمام التي يعرفانها، لكن الأشجار
هناك لم تكن تشبه الأشجار التي يملكها أبو ريمون.
خرجا
من البركة، وملابسهما مبللة بالكامل، فنظرا إلى بعضهما وبدأَ بالضحك على حالهما!
بعد
أن انتهيا من الضحك، لاحظا وجود حصانين بنيين اللون، يلمع جلدهما تحت الضوء،
وعليهما سرجان فاخران.
غسان:
"حسب رأيك، لمن هذان الحصانان؟ ولماذا هما هنا؟"
جمال:
"لا أعرف، هل هما لنا أم لغيرنا؟ على كل حال، نحن لا نعرف كيف نركب الخيل،
وأيضًا نحن صغار على ذلك."
غسان:
"أكيد نحن صغار، ولا أعرف كيف يُركب الحصان، ولا حتى كيف يصعدون إليه!"
جمال
ضاحكًا: "أنا أيضًا لا أعرف! ماذا تعتقد؟ هل كنت ‘كاوبوي في زماني؟ أو كلينت
إيستوود؟ على كل حال، دعنا نتركهما بحالهما، ونبحث عن مكاننا الآن."
غسان
متأملًا: "ألا تلاحظ أننا نمشي باتجاه محدد، وليس أي اتجاه نريده؟"
جمال:
"أنت محق، كأننا مجبرون على السير في هذا المسار!"
في
هذه اللحظة، اقترب الحصانان منهما، وسارا بجانبهما، وكأنهما يدعوانهما لامتطائهما.
جمال:
"أشعر أن الأحصنة تريدنا أن نركبها!"
غسان
متوجسًا: "وكيف ذلك، ونحن لا نعرف كيف نمتطيها أو كيف نسير بها؟"
جمال
بابتسامة واثقة: دعنا أولا أن نقف على هذا الحائط، "فلنفعل كما في أفلام
‘الكاوبوي‘! نمسك هذه المسكة في السرج، ثم نضع رجلنا اليسرى في هذه الحديدة، ونرفع
رجلنا اليمنى، ونقفز للجلوس على ظهر الحصان."
غسان
مشككًا: "وهل تعتقد أن الأمر بهذه السهولة؟"
جمال:
"دعنا نجرب، ماذا سنخسر؟"
وبالفعل،
بعد أن وقفا على الحائط، وفعل جمال ما قاله، وجد نفسه جالسًا على ظهر الحصان بكل
سهولة.
نظر
إليه غسان بدهشة، ثم كرر نفس الحركة، ووجد نفسه أيضًا جالسًا على ظهر الحصان!
أمسكا
بالرسن، فبدأ الحصانان بالمشي بسلاسة.
شعر
الأخوان بسعادة كبيرة، إذ كانت هذه أول مرة يركبان فيها الخيل، وكانت تجربة مذهلة
بالنسبة لهما، وما إن شدّا الرسن، حتى بدأت الأحصنة بالركض بسرعة جنونية!
كان
جمال وغسان يشعران بفرح وحماس للحظات، ثم ينتابهما الخوف والرهبة من السرعة
الفائقة، خاصة عندما بدأت الأحصنة تميل في الطريق المتعرج.
لكن
بعد فترة من الركوب، اعتادا على سرعة الأحصنة، وأصبحا يرفعان أيديهما عاليًا
ويصيحان مثل رعاة البقر في الغرب الأميركي.
استمتعا
باللحظة، إلى أن وصلا أمام مغارة كبيرة، فتوقفت الأحصنة عند بابها.
نزل
الأخوان عن ظهر الحصانين، وفجأة، انطلق الحصانان إلى مكان مجهول واختفيا عن
نظرهما.
وقفا
أمام باب المغارة وتأملا المكان.
غسان:
"هل يعقل أن تبدأ مغامرتنا الجديدة من هنا؟"
جمال:
"مغامرتنا بدأت منذ اختفاء التنور وسقوطنا في بركة الماء! والآن، نحن على وشك
دخول مرحلة جديدة، وعلينا معرفة المفاجآت التي تنتظرنا!"
تقدما
إلى داخل المغارة وهما متخوفان مما قد يحدث، فوجدا أن المدخل عبارة عن ممر واسع
وعالٍ، وفي بدايته قناة ماء جافة، تشبه نصف دائرة.
جمال:
"أظن أننا يجب أن نمشي عبر هذا الممر، فلا يوجد طريق غيره."
غسان:
"أنت محق، ولكن الغريب أننا لا نستطيع رؤية أسفل الممر، ومع ذلك، لا مفرّ لنا
سوى السير عليه."
جمال:
"ولماذا تقول ذلك؟"
غسان،
وهو ينظر خلفه بقلق: "لأن الباب اختفى ولم يعد موجودًا!"
جمال:
"إذاً، علينا التقدم واستكشاف ما ينتظرنا."
خطا
الأخوان أولى خطواتهما على الجسر، فشعرا برجة تحت أقدامهما، فتراجعا إلى الخلف،
فعادت الأرض إلى طبيعتها.
لكن
عندما تقدما مجددًا، عادت الرجة بشكل أقوى!
لم
يعرفا سبب ذلك، لكنهما قررا الاستمرار، وكلما تقدما أكثر، اشتدت الرجة.
كان
الجسر متعرجًا، ولم يتمكنا من رؤية نهايته، لكن بعد السير لمسافة حوالي مئة متر،
شاهدا حجرًا ضخمًا يتدحرج نحوهما بسرعة!
وفي
اللحظة ذاتها، لاحظا وجود أبواب على جانبي الجسر، فصرخا معًا: "هيا بنا نركض نحو تلك
الأبواب!"
ركضا
بأقصى سرعة ممكنة، وقبل أن يصلا إلى أحد الممرات التي قد تخلصهما من الصخرة، بدأ
الخوف يتسلل إلى قلبيهما.
صرخ
جمال بصوت مرتفع: "يجب أن نصل إلى هناك يا غسان!"
رفع
يده التي عليها الدرع، وفجأة، ظهر دبّ ضخم من العدم، واندفع بسرعة باتجاه الصخرة،
واضعًا يديه عليها محاولًا إيقافها!
بدأت
الصخرة تبطئ من سرعتها، حتى وصل الأخوان إلى أحد الأبواب، دخلا إلى الممر الآمن،
ومرت الصخرة من أمامهما، ليكونا في مأمن.
غسان:
"من أين جاء هذا الدب؟"
جمال،
وهو يلهث من التوتر: "لا أعرف، لكن عندما رفعت يدي وصرخت من الخوف، ظهر فجأة
من لا مكان! وصدقني، لولاه لما نجونا من الموت!"
غسان،
وقد بدأ يربط الأمور ببعضها: "هل يعقل أن هذا الدب هو من درعك؟"
نظر
جمال إلى درعه، فوجده يضحك ويلوح له بيده، فابتسم بذهول.
لقد
أدركا أن الدرعين لم يكونا مجرد زينة، بل وجدَا ليقدما لهما المساعدة في هذه
المرحلة!
غسان،
وقد استوعب الفكرة: "طالما أن الدب ظهر عندما شعرت بالخوف، يجب أن أطلق النسر
ليحلق في السماء ويراقب الطريق، ليرى إن كان هناك أي فخاخ أو أحجار قادمة قبل أن
ننطلق."
رفع
يده، وفجأة، ظهر النسر من لا مكان، فلاحظ غسان أن رسم النسر اختفى من درعه.
غسان،
وهو يراقب الدرع: "أخي، فعلاً الدب هو جزء من درعك!"
طار
النسر وبدأ التحليق فوقهما، وبدأَ بالسير بحذر على الجسر.
بعد
فترة، أرسل النسر إشارة تحذيرية بأن هناك خطرًا قادمًا نحوهما.
رفع
جمال يده عالياً، فظهر الدب مرة أخرى وسار أمامهما.
وفجأة،
بدأت الحرارة ترتفع بشكل غريب حولهما!
جمال:
"أعتقد أننا في مكان قريب من النار... ربما يكون بركانًا!"
أصدر
الدب صوتًا عميقًا، ثم انطلق بسرعة للأمام، فتبعه الأخوان، بينما النسر أطلق
أصواتًا متتالية، وكأنه يحذر من اقتراب الخطر.
نظرا
إلى الأمام، وإذا بكتلة نار ضخمة تتدحرج نحوهما بسرعة مخيفة!
لمحا
مكانًا يمكن أن يكون ملجأ لهما، فأسرعا في خطواتهما أكثر فأكثر، وهدفهما الوصول
إليه قبل أن تدركهما الكتلة الملتهبة.
لكن
الكتلة ازدادت سرعة، والحرارة أصبحت عالية جدًا حتى بدآ يشعران بالإغماء.
وفجأة،
اندفع الدب نحوهما، فرفعهما على ظهره وانطلق راكضًا نحو المكان الآمن، ليجدوا بركة
ماء!
قفزا
داخل الماء، وهما يشعران وكأنهما ماتا لا محالة، لكن فجأة، أدركا أن جسديهما
يطفوان على سطح الماء!
لم
يعرفا السباحة في حياتهما الحقيقية، فتفاجآ كيف كانا يسبحان هنا!
بدأَ
يضحكان، إذ لم يتخيلا أنهما سينجوان من الموت بهذا الشكل!
شكرا
ربهما على نجاتهما، وأرسلا للدب والنسر قبلة شكر وامتنان.
بعد
أن خرجا من الماء، لاحظا أن كل شيء بقي كما هو، وأن الممر لا يزال الجسر الوحيد
لهما.
قررا
مواصلة السير حتى يصلا إلى نهاية هذا الجسر المشؤوم.
لكن
بمجرد أن بدآ المشي، شعرا بالتعب يتملك جسديهما، حتى لم يعودا قادرين على مواصلة
التقدم.
ومما
زاد الطين بلة، أصبح الممر لزجًا، مما جعل كل خطوة أكثر صعوبة، وكان الأخوان
يتزحلقان على الأرض اللزجة، وكلما تقدما خطوة، يعودان خطوتين إلى الخلف، حتى
غلبهما التعب تمامًا.
عادت
الرجة من جديد، وشعرا بأنهما اقتربا من نهاية حياتهما، بينما كان جسداهما مغطَّيين
بالمادة اللزجة ذات الرائحة الكريهة، حتى لم يعودا قادرين على تحريك أي عضو من
أعضائهما.
وفي
لحظة انهيارهما، مرّ الحجر فوقهما، فالتصقا به بفعل المادة اللزجة، وبدأت عملية
الدوران، والصعود والهبوط على سطحه، حتى فقدا الوعي تمامًا.
وعندما
استفاق غسان، وجد نفسه في غابة كثيفة مليئة بالأشجار المثمرة، وبجانبها نهر يتدفق
بهدوء.
نظر
حوله، فوجد أخاه جمال مستلقيًا على الأرض، فتوجه إليه وأيقظه من نومه.
جمال،
وهو ما زال مشوشًا: "هل يعقل أننا وصلنا إلى الجنة؟!"
غسان
بابتسامة: "ربما نحن في الجنة يا أخي، فكل شيء هنا جميل ومريح! الأشجار محملة
بالثمار، فلنأكل منها بعد أن نغتسل في النهر."
توجها
إلى النهر، واغتسلا فيه، وأزالا عنهما كل آثار المادة اللزجة. ثم اختارا من ثمار
الأشجار ما طاب لهما، وأكلا منها بشهية.
بعد
ذلك، استلقيا تحت إحدى الأشجار، وناما نومًا عميقًا.
لكن
بعد فترة، استيقظا على صوت عواء ذئاب قريبة جدًا، فنهضا سريعًا، ليجدا نفسيهما
محاطَين بزمرة من الذئاب تقف حولهما بشكل دائري!
جمال،
وهو ينظر إلى أخيه بقلق: "هل ترى ما أراه؟"
غسان:
"نعم!"
جمال،
متوترًا: "وماذا سنفعل؟"
غسان:
"ليس أمامنا سوى الاعتماد على الدرع!"
رفع
الأخوين أيديهما عالياً، فظهر الدب والنسر على الفور، وأطلقا صيحات تحذيرية قوية
للذئاب، مما جعلها تهرب بسرعة.
اقترب
جمال من الدب وعانقه، وأخذ يلاعبه، بينما فعل غسان الأمر نفسه مع النسر.
جمال:
"ماذا علينا أن نفعل الآن؟ وإلى أين نتجه يا غسان؟"
غسان:
"لا أعرف، لكن قبل أن نقرر الاتجاه، علينا أن نأكل بعض الثمار، فلا نعلم ما
ينتظرنا في هذه المرحلة!"
أكلا
من جديد، وشربا من النهر، ثم بدآ بالسير برفقة الدب على الأرض، بينما كان النسر
يحلق في السماء، موجهًا إياهما نحو المسار الصحيح.
كانا
يسيران بعكس اتجاه جريان مياه النهر، وكانا سعيدين بوجود النسر والدب معهما.
واصلا
المشي لفترة طويلة، حتى وصلوا إلى شلال ماء عالٍ وضخم، حيث كان الماء يتدفق منه
بقوة، مُصدرًا هديراً يصمّ الآذان.
كان
الشلال يشكل المصدر الأساسي لمياه النهر الذي كانا يسيران بجانبه طوال الرحلة.
جمال،
وهو مأخوذ بجمال المشهد: "ما أجمل هذا الشلال! أعتقد أننا سنمر عبره."
غسان،
متعجبًا: "وما الذي جعلك تشعر بذلك؟"
جمال:
"كأنني رأيت هذا المشهد في أحد الأفلام!"
غسان:
"ربما، لكني لا أتذكره. هل يعقل أنني لم أشاهده معك؟"
جمال:
"ممكن جدًا! انظر هناك، إلى الجهة اليمنى من الشلال، يوجد درج وطريق يؤدي إلى
خلفه!"
غسان:
"أنت محق، هيا بنا!"
في
تلك اللحظة، حلق النسر فوق الشلال، وأطلق صيحة عالية قبل أن يختفي فجأة.
نظر
غسان إلى درعه، فوجد أن النسر قد عاد إليه.
غسان:
"هذا يعني أننا يجب أن ندخل إلى خلف الشلال!"
سار
الدب أمامهما، وتبعاه حتى وصلا إلى بداية الدرج.
وما
إن وضع الدب أولى خطواته على الدرج، حتى انتفض واقفًا على رجليه، وزمجر بقوة.
شعر
الأخوان بالخطر، فتراجعا بسرعة إلى الخلف، وعيناهما مثبتتان على الدب.
وفجأة،
ظهر ثعبان ضخم واندفع نحو الدب، محاولًا أن يعضه ويلتف حوله!
سارع
غسان وأطلق النسر من درعه ليساعد الدب في المواجهة.
وبالفعل،
انقض النسر على الثعبان، وبدأ بتجريحه بمخالبه في كل أنحاء جسده.
وفي
اللحظة المناسبة، تمكن الدب من ضربه بمخالبه الأمامية، محدثًا جرحًا عميقًا.
ثم
انقض على الثعبان، ونهش رأسه بأسنانه، فقطعه تمامًا، وسقط جسد الثعبان في الماء.
وقف
الدب وزمجر انتصارًا، بينما تقدم الأخوان نحوه وهما يشعران بالفرح لهذه النهاية
السعيدة.
جمال:
"كيف كنا سننجو لولا مساعدة الدب والنسر؟!"
عاد
النسر إلى درعه، ثم تابع الأخوان السير خلف الدب، ودخلا خلف الشلال الضخم.
وفي
منتصف الطريق، وجدا مدخلًا لنفق مرتفع جدًا، يؤدي إلى مسار إجباري.
عاد
الدب إلى درعه، بينما واصل الأخوين تقدمهما، يراقبان بذهول كل ما يشاهدانه في هذه
المغارة العملاقة.
كانا
يتحدثان عن المعركة التي خاضها الدب ضد الثعبان، ويحاولان توقع الأحداث القادمة.
وفجأة،
انزلقا في هوة غير متوقعة، وبدّأَ بالسقوط والتقلب بشكل غير متوازن!
شعرا
بأنهما سيتكسران من جراء ذلك، حتى تمكن كل منهما من تعديل وضعه، وأصبحا يزحفان على
الأرض دون معرفة وجهتهما.
لكن
بعد لحظات، انفصل كل واحد منهما عن الآخر، وبدأَ يبتعدان عن بعضهما بسرعة!
كانا
يناديان بعضهما، لكن المسافة بينهما أصبحت كبيرة جدًا، ولم يكن بإمكانهما العودة
إلى بعضهما مجددًا.
استمر
الانزلاق حتى وصل كل واحد منهما إلى مكان مختلف.
وجد
جمال نفسه في أرض تقع بين الغابة والسهل.
بعد
أن توقف، بدأ بتفقد حالته الجسدية، فلاحظ أنه لم يصب بأي أذى.
نادى
أخاه غسان بصوت عالٍ، لكنه لم يسمع أي إجابة.
همس
لنفسه بقلق: "إذا أصاب أخي مكروه، لن أكمل أي مرحلة بعد الآن!"
ثم
بدأ بالسير، باحثًا عن أي أثر يدل على مكان غسان.
بدأ
الأخوان بالسير على غير هدى، غير مدركين إلى أين يتجهان، حتى وجد جمال أمامه بيتًا
صغيرًا.
قال
في نفسه: "هل يمكن أن أجد فيه طعامًا؟ أشعر بجوع شديد!"
توجه
إلى البيت ودخله، فوجد فيه أثاثًا ومقاعد، كما لاحظ وجود مطبخ.
فتش
عن أي شيء يمكنه أكله، لكنه لم يجد شيئًا، فعاد إلى الصالون.
وهنا،
شمّ رائحة طعام تفوح من إحدى الغرف، فتبعها حتى وصل إلى المكان، ليجد مائدة مليئة
بما لذ وطاب من الطعام والفواكه والحلويات!
لكن
ما أثار استغرابه، هو أن الطاولة لم يكن حولها سوى كرسيين فقط.
تساءل
في سره: "لماذا لا يوجد سوى كرسيين؟ هل عليّ أن أنتظر أخي ليصل حتى أبدأ
بالأكل؟"
وبينما
كان يفكر، سمع صوت خطوات شخص يدخل إلى البيت.
رفع
رأسه، ليجد أمامه أخاه غسان!
هرع
إليه وغمره بقوة، وقال بفرح: "الحمد لله أنك وصلت بخير! إلى أين أخذتك
الممرات الإجبارية؟"
تنهد
غسان وقال: "لقد وصلت إلى أرض قاحلة تشبه الصحراء، لا يوجد فيها نبات ولا
ماء، فأطلقت النسر ليبحث لي عن مكان فيه طعام وشراب، لكنني وقعت في حفرة وظللت تحت
الأرض فترة طويلة، محاولًا الخروج منها. أخيرًا وجدت نافذة، وعندما خرجت منها وجدت
نفسي أمام هذا البيت، فدخلته فوجدتك هنا! وأنت، ماذا حصل معك؟"
أخبره
جمال بكل ما جرى معه، ثم قالا لبعضهما: "الحمد لله على سلامتنا!"
توجها
إلى غرفة المائدة، وبدآ بالأكل بشهية، حتى شبعا تمامًا.
لكن
فجأة، شعرا بتخدر في جسديهما، ولم يعودا قادرين على رؤية أي شيء، ثم غابا عن
الوعي.
وحين
استعادا وعيهما، وجدا نفسيهما في مكان مختلف تمامًا.
كان
الجو باردًا جدًا، حتى إنهما بدآ يرتجفان بشدة.
وقفا
وهما لا يدركان أن البرد بدأ يتغلغل في جسديهما.
بدآ
بالسير في ذلك المكان الجليدي، وأحسّا أنهما سيموتان من شدة البرد.
قال
جمال وهو يلهث: "هذه المرحلة صعبة جدًا! لم نكن نعرف ذلك، الله يستر إن كنا
سنظل سالمين حتى نهايتها!"
كانا
يسيران بشكل متعثر من شدة البرودة، إلى أن وجدا بركة ماء.
تفحصاها
بوضع إصبع في الماء، فوجداها ساخنة!
نظرا
إلى بعضهما البعض، ثم نزلا بسرعة في البركة، حتى عاد الدفء إلى جسديهما، وشعرا
بالحيوية تعود إليهما بعد أن كانا على وشك الانهيار من البرد القارس.
قال
غسان: "إلى متى سنبقى هنا يا أخي؟"
أجاب
جمال وهو يتأمل المكان: "والله لا أعرف شيئًا!"
فكر
غسان قليلًا، ثم قال: "ما رأيك أن نسبح إلى آخر هذه البركة؟ لنرى ما يوجد
هناك، فهي غير واضحة لنا."
وافق
جمال، وانطلقا سباحة نحو طرف البركة، لكن بعد مسافة قصيرة، بدأت حرارة الماء تزداد
أكثر مما كانت عليه في البداية!
صرخ
غسان: "يبدو أننا يجب أن نغادر البركة يا جمال!"
وافقه
جمال، فخرجا بسرعة، ليجدا نفسيهما على حافة هاوية، وتحتهما يوجد وادٍ عميق.
جمال:
من الجيد أننا لم نقع في الوادي!
وينظران
خلفهما، فلا يجدا البركة، بل ريفًا صخريًا، وممرًا إجباريًا يجب أن يسيرا فيه. مشيا
وهما خائفان من الوقوع في ذلك المكان، وكلما سارا، كان الممر يضيق أكثر، ويزداد
خوفهما، فيصبح الحذر أكثر فأكثر.
إلى
أن يصل جمال إلى شقٍ في الصخرة ويدخل فيه، وإذا بأخيه غسان يهوي إلى الأسفل، فيمد
جمال يده بشكل لا شعوري، ويمسك يد أخيه، ويجذبه نحو الشق الذي يقف فيه.
غسان:
شكرًا يا أخي، لقد أنقذتني من موت محتم.
جمال:
لو حدث لك شيء، لا أعلم ماذا كنت سأفعل بنفسي!
فيجلسان
ليحصلا على قسطٍ من الراحة، ثم ينظران حولهما، فيجدان طريقًا إجباريًا عليهما أن
يسيرا فيه. فيمشيان إلى أن يصلا إلى آخر الشق الصخري، فيجدان درجًا، وأقل ما يقال
عنه إنه أخطر من المشي على طرف الهاوية. لكنهما يجدان نفسيهما مجبرين على نزوله،
فينزلاه وهما لا يصدقان، إذ كانا يشعران بأن الدرج يتحرك وكأنه مصنوع من حبال، رغم
أنه محفور في الصخر.
كل
درجة يمران عليها، يشعران بأنهما على وشك الوقوع، ويسندان بعضهما البعض، إلى أن
يصلا إلى نهايته، فينظران إلى الأعلى، فيجدان أنهما قطعا مسافة طويلة جدًا،
فيستريحان حيث هما، ثم يتابعان المشي.
جمال:
أشعر بأن قدميَّ ترتجفان بعد نزول هذا الدرج.
غسان:
وأنا مثلك يا أخي، أشعر كأنني أمشي بعجز.
ويتحدثان
عمّا جرى معهما في هذا الجزء من المرحلة الصعبة، ثم يدخلان في دهليزٍ يوجد فيه
ماء، وحتى سقفه ينزل منه الماء بغزارة. يمران من تحت الماء، فيشعران بالبرودة
والانتعاش، وما إن يخرجا من السرداب أو الدهليز، حتى يجدا نفسيهما في حضرة تمثالين
كبيرين، فينظران إليهما بتعجب.
غسان:
هل ترى يا جمال ما أراه في هذين التمثالين؟
جمال:
لا أرى شيئًا مميزًا فيهما، سوى أنهما كبيران جدًا.
غسان:
انظر جيدًا إلى وجهيهما، إنهما يشبهاننا!
جمال:
يتمعن جيدًا في وجهي التمثالين، فيجدهما فعلاً يشبهانهما.
فيقول:
"هل بتنا في نهاية المرحلة الثانية؟"
غسان:
أعتقد ذلك، لأننا في المرحلة الأولى رأينا رسومات لنا.
وهنا
يسمعان صوتًا يصدر من التمثال الذي يشبه جمال، يقول لهما: "نعم، لقد وصلتما إلى نهاية المرحلة الثانية"
الصوت:
مبروك لكما، لقد أنهيتما المرحلة الثانية بنجاح!
جمال:
وما هي مكافأتنا هذه المرة؟
الصوت:
ستحصلان على درعين، وأيضًا على كيس يحتوي على عشر قطع ذهبية.
غسان:
ولكن هذه المرحلة كانت أصعب وأخطر من المرحلة الأولى!
الصوت:
كل مرحلة لها مخاطرها، وإلا لماذا تُسمّى مغامرة؟
جمال:
لكننا كدنا أن نموت!
الصوت:
(يصدر ضحكة قوية) والآن عليكما الصعود على الدرج الذي بين التمثالين، ستجدان
هداياكما في طريقكما، فخذاها. لن تعودا إلى هنا مرة أخرى أبدًا، حتى نلتقي في
المرحلة الثالثة.
غسان:
وما هي اللعبة القادمة التي سنلعبها؟
الصوت:
ستعرفان في حينها.
يصعد
الأخوين الدرج، وهما سعيدان لأنهما أنهيا المرحلة الثانية، وسيرجعان إلى حياتهما
العادية. في منتصف الدرج، يجدان درعين، كل واحد على ميلته. لم يختارا أي منهما، بل
حملاه كل واحد بيده اليسرى، لأنهما علما أنهما سيتحولان إلى أساور في أيديهما.
وسارا منتصبي القامة مثل الملوك، وإذ بالحصانين اللذين ركبا عليهما في بداية
المغامرة واقفين يودعانهما. فلوّحا لهما بأيديهما، كما ألقى الحصانان التحية، حيث
وقفا على أرجلهما الخلفية، ورفعا الأمامية وصهلا معًا.
في
هذه الأثناء، يُفتح باب أمامهما، فيسرعان الخطى للخروج من المكان، وقبل أن يصلا
إلى الباب، يجدان كيسين من المخمل، فيحمل كل واحد منهما كيسه. وبينما يهمان
بالخروج، يسمعان صوتًا يقول:
الصوت:
لا تخبرا أحدًا بهذه المغامرة أبدًا!
يخرجان
من الباب، وإذ هما في طريق النزلة الجنوبية للحارة، وقد تحول الدرعان إلى أساور في
يديهما اليسرى؛ درع جمال عليه قوس وجعبة سهام، ودرع غسان عليه مطرقة.
فينظران
إلى بعضهما البعض، ثم يضحكان وينزلان إلى بيتهما، وهما يضعان يديهما على أكتاف
بعضهما، غير مصدقين أنهما عادا بخير.
نلتقي بالمرحلة الثالثة - من مغامرات الشقيقان - من هنا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا، بكم امل ان تجدوا ما يجعلكم تتابعون المدونة دائما،
مع محبتي واحترامي