مغامرات الشقيقين
في صافيتا
وصلت
العائلة إلى مدينة صافيتا قادمةً من طرابلس، لبنان، سنة 1963. كان عدد أفرادها ستة،
مع الأب والأم، أربعة أولاد: بنتان وصبيان. وكان الصبيان كأنهما توأم بنفس الأعمار
تقريبًا، إذ لا يتعدى الفرق بينهما سنة واحدة؛ فالكبير، جمال، عمره ست سنوات،
والصغير، غسان، خمس سنوات، وهما بطلا هذه القصة.
سكنت
العائلة في إحدى حارات المدينة، وتُعرف باسم الحارة الشرقية، وهي بمثابة ضيعة بحد
ذاتها، حيث تضم بيوتًا لعائلات قليلة، لا يتعدى عددها أصابع اليد. كان سكنهم في
بيت يعود لعائلة الحواط "بربر"، بالقرب من مدرسة الرشيد الابتدائية، حيث
كان جمال وغسان يتابعان تعليمهما الابتدائي.
ما
يميزها عن غيرها من حارات صافيتا هو وجود نزلتين، واحدة من الجهة الشمالية، وأخرى
من الجهة الجنوبية. كما يوجد فيها درج طويل وعريض من الباطون، يُعتبر معلمًا مهمًا
للحارة. يقابل هذا الدرج تنور بيت النحاس "سعدى"، وأيضًا درج صغير يحتوي
على عدد قليل من الدرجات، لا يتعدى العشر، وهو بين أملاك عائلة الياس وعائلة أبو
ديب.
في
الحارة أيضاً عين ماء تُعرف بـ "عين الشرقية"، نسبةً لاسم الحارة،
وبجوارها شجرة دلب كبيرة تعيش قرب بركة ماء تُجمع فيها مياه العين خلال أيام الصيف
لري مزروعات أبو ريمون بأرض الحمام. كما هناك عين ماء أخرى تُعرف بـ "عين بنت
الملك" في ارض الحمام.
قرب
عين الشرقية يوجد شجرة دلب وارفة الغصون والأوراق، كان بعض العشّاق يصعدون إلى هذه الشجرة
ويحفرون أسماءهم على غصونها، ويستظلون تحتها، مستمتعين بالهواء العليل القادم من
الوادي. كانت الأوراق تلامس النسيم، فتصدر أصواتًا أشبه بألحان موسيقية، وكأنها
تعزف مقطوعة من إبداع الخالق العظيم. حينما يعطشون، يشربون من العين، وحين يحتاجون
إلى الانتعاش، يغسلون أيديهم ووجوههم بمياهها العذبة.
النزول
إلى العين يتم عبر طريق ترابي تتفرع منه عدة مسارات ترابية أخرى، وتؤدي هذه الطرق
إلى الوادي، وسط الحقول والأراضي التي يغلب عليها أشجار الزيتون. كما أن الطريق
تؤدي إلى ملعب صغير نسبيًا، كان متنفسًا للأطفال، حيث يلعبون كرة القدم فيه. كان
هذا الملعب أيضًا يجذب بعض الأطفال من الحارات المجاورة، وهو ذاته يوصل إلى قبر
الزير وصخرة التنور.
بعد
مرور ست سنوات على وصول العائلة إلى صافيتا، أنهى جمال وغسان المرحلة الابتدائية،
وكان عليهما الانتقال إلى مدرسة أخرى تقع في الحارة الغربية، وتُعرف بثانوية
الرامي.
في
أحد أيام الصيف، كان بعض أولاد الحارة الشرقية يلعبون بالكرة في الملعب. بعد
انتهاء اللعب، عاد أغلب الأولاد إلى بيوتهم، وبقي أربعة منهم فقط. قرروا حينها
اللعب بلعبة "الثلاث قواميع"، حيث ينقسمون إلى فريقين متساويين، وكل
فريق يضم أخوين. يقوم كل فريق بنصب ثلاثة حجارة على شكل مثلث قدر الإمكان، بحيث
تكون المسافة بين أول حجر من أي فريق حوالي خمسة أمتار، وبين الحجر والآخر متر إلى
متر ونصف تقريبًا. يرمي كل عضو من الفريق ثلاث رميات من نقطة أول حجر عند فريقه،
ليبدأ التحدي…
بعد
أن لعبوا لبعض الوقت، كان أحد الفرق يضم أخوين يُدعيان جمال وغسان، والفريق الآخر،
يتكوّن من أخوين من الحارة.
في
آخر رمية لغسان، كان يبحث عن حجر مناسب ليرمي به نحو "القواميع"
المنتصبة أمامه، وجد حجرًا مميزًا؛ كان شكله دائرياً وملمسه ناعمًا، لم يرَ حجرًا
مثله من قبل في تلك المنطقة. عندما ضرب به "القاموع" الأخير المتبقي
للخصم، أسقطه، وبهذا فاز فريقه في اللعبة.
ذهب غسان ليجلب الحجر من مكان سقوطه، لكنه لاحظ أنه بدأ يتدحرج بسرعة. تفاجأ بما يحدث أمامه، وتبعه وهو يتساءل عن سرّ هذه الحركة الغريبة. كيف يمكن لحجر أن يتدحرج من تلقاء نفسه؟ تبع غسان الحجر إلى أن توقف فوق مغارة "الشيحانة"، فأمسكه وعاد إلى الملعب. ولكن عندما وصل، اكتشف أن أخاه ورفاقه قد غادروا إلى عين الشرقية.
ناداهم
قائلًا: "ألا تريدون أن تلعبوا؟" فأجابوه بالنفي. عندها، نظر غسان إلى
الحجر ورماه بعيدًا عن الملعب، في مكان يستطيع العودة إليه لاحقًا إذا أراد لعب
اللعبة مجددًا. لكنه سرعان ما سمع صوتًا بين البلان " نبات ذو اشواك"،
فشعر بالخوف وحاول الركض، لكنه رأى الحجر ذاته يتدحرج وكأن هناك قوة خفية تحركه.
لحق
به غسان ليجده مسرعاً باتجاه المغارة مرة أخرى. عندها بدأ يتساءل: لماذا يتدحرج
هذا الحجر نحو مغارة "الشيحانة" بالتحديد؟ لا بد أن هناك سرًا خلف ذلك!
قرر أن يتبعه، فوجد نفسه فوق المغارة مجددًا، حيث توقف الحجر في نفس المكان للمرة
الثانية في اليوم ذاته.
نظر
غسان حوله محاولًا فهم ما يحدث، لكنه لم يجد تفسيرًا مقنعًا. قرر أخذ الحجر معه
إلى البيت، فحمله وعاد أدراجه نحو العين، لكنه لم
يجد
أحدًا من رفاقه هناك. صعد إلى الحارة، وهو محتار بأمر هذا الحجر الغريب الذي
يحمله.
لاحظ
أنه كلما وقع الحجر من يده، كان يسارع بالعودة نحو الملعب، فيركض غسان ليحمله
مجددًا. استمر ذلك حتى وصل إلى طريق الزفت بالحارة، حيث سقط الحجر من يده لكنه هذه
المرة لم يتحرك إطلاقًا!
تعجب
غسان من الأمر، فكيف لحجر كان يتحرك باستمرار أن يتوقف فجأة على طريق الزفت؟ بدأ
يفكر في أن الزفت ربما يمنعه من التدحرج. عاد إلى الطريق الترابي ووضعه على الأرض،
لكنه بقي ثابتًا ولم يعطِ أي إشارة تدل على أنه كان يتحرك قبل قليل.
نزل
إلى قرب الصبيرات التي تقع على طريق العين، ثم وضع الحجر على الأرض مجددًا. فجأة،
عادت الحركة إلى الحجر، وبدأ يتدحرج باتجاه العين، لكن هذه المرة ببطء شديد…
أدرك
غسان أنه كلما ابتعد عن المغارة، خفَّت حركة الحجر. حمله مجددًا وعاد به إلى
الطريق، فوضعه على الزفت، لكنه لم يتحرك إطلاقًا. ذهب إلى بيته، القريب من بيت
الزلف، حيث وجد أخاه جمال وأخبره بقصة الحجر.
نظر
إليه جمال بتعجب وقال ساخرًا: "باكَ شي، أو عليك حرارة؟"
ردّ
غسان بحماس: "حرارة يا جمال! أنا أقول لك إن الحجر يتحرك، وأنت تسخر مني؟
طيب، تعال إلى الملعب وشاهد بنفسك كيف يتدحرج!"
هزّ
جمال رأسه وقال: "أخي، الله يرضى عليك، لستُ متفرغًا الآن، لدي موعد مع
الشباب." ثم غادر البيت.
شعر
غسان بالغضب من ردّ فعل أخيه، وبدأ يشكّ في نفسه: "هل أنا فعلًا محموم؟"
وضع يده على جبينه ليتأكد إن كانت حرارته مرتفعة، أو ربما كان يهذي. هل ما شاهده
كان مجرد هلوسة؟ قرر أن يضع الحجر في خزانة الحائط بمنزله، ثم خرج ليلعب مع رفاقه
في الحارة.
حين
حان وقت النوم، وضع الحجر معه في الفراش ونام. ولكن عندما استيقظ صباحًا، لم يجده
بجانبه، بل وجده خارج البيت!
أسرع
إلى أخيه جمال وأيقظه قائلاً: "لقد وضعت الحجر معي في الفراش، ووجدته خارج
البيت! هذا يعني أن كلامي صحيح!"
في
تلك اللحظة، سمع صوت أمه تقول له باستغراب: "لماذا تنام مع هذا الحجر يا
غسان؟ هل يُعقل أن ينام أحدٌ ومعه حجر؟ لقد وجدته بجانب الفراش، فأخرجته
للخارج."
ضحك
جمال على أخيه وقال: "ما قصتك مع الحجر؟"
هزّ
غسان كتفيه وقال: "لا أعرف، لكنني أحببت شكله، وهو مناسب للعب في
'القواميع'."
علّق
جمال وهو لا يزال مستغربًا: "بسيطة، احتفظ به، رغم أن هناك ألف حجر
غيره!"
نهض
غسان، ارتدى ملابسه، وحمل الحجر معه. توجه إلى عين الشرقية، وعند الصبيرات وضع
الحجر على الأرض، فبدأ الحجر يتدحرج مجددًا. قال في نفسه: "أمس ربما كنت
محمومًا، لكن اليوم لا أشعر بشيء، وها هو الحجر يتحرك أمامي!"
حمل
الحجر وقال بحماس: "لن أنتظر جمال! سأكتشف سر الحجر بنفسي!"
حين
وصل إلى الملعب، أفلت الحجر من يديه، فبدأ يتدحرج حتى وصل إلى فوق المغارة، وتوقف
في نفس المكان الذي توقف فيه أمس. عندها، خطرت فكرة لغسان: لماذا لا أجرب رمي
الحجر إلى الأسفل؟
رفع
قدمه وضرب الحجر بقوة، وإذ به لا يلامس الأرض، بل يدخل إلى المغارة مباشرة!
شعر
بالدهشة، فنزل من فوق المغارة سالكًا الطريق المؤدية إلى مدخلها، وهو يتساءل:
"كيف لحجر أن يطير بهذا الشكل؟"
حين
نظر داخل المغارة، وجد الحجر في آخرها. وما إن وقعت عيناه عليه، حتى سقط الحجر على
الأرض مجددًا.
شعر
غسان بمزيج من التعجب والخوف مما شاهده، لكنه سرعان ما جمع شتات أفكاره، وتقدّم
إلى الداخل بحذر. أمسك الحجر ورفعه، لكنه شعر بقوة خفية تشده إلى الأسفل!
تراجع
إلى الوراء بحذر، لكن الحجر بدأ يشد يديه بقوة نحو المكان الذي وجده فيه…
أراد
غسان أن يعرف إن كان هذا هو المكان الذي يريده الحجر، أم أنه سيغير اتجاهه. فأفلته
من يده، لكنه عاد إلى نفس النقطة وتوقف هناك. شعر عندها بالقلق، فخرج من المغارة
ونظر حوله ليتأكد إن كان هناك أحد في الجوار، لكنه لم يجد أحدًا.
أخذ
نفسًا عميقًا ليهدئ نفسه، ثم عاد إلى المغارة، وأخذ الحجر معه إلى البيت، ممسكًا
به بإحكام كي لا يهرب منه مجددًا. حين وصل، وضعه في خزانة الحائط وأغلقها جيدًا،
ثم خرج يبحث عن أخيه جمال حتى وجده.
أخذه
إلى جانبٍ وأخبره بما حصل معه صباحًا في مغارة "الشيحانة".
نظر
إليه جمال بذهول وقال: "يا غسان، أنت ستجعلني أُجن بسبب هذا الحجر!"
ردّ
غسان بحماس: "يا أخي، فقط طاوعني هذه المرة وانزل معي، أعتقد أن هناك كنزًا
في المغارة أو شيئًا سريًا! كم مرة جاريتك أنا؟"
هزّ
جمال رأسه وقال: "سأجاريك هذه المرة فقط!"
ابتسم
غسان وقال: "أشكرك والله! من الجيد أنك وافقت، لكن برأيي يجب أن نأخذ معنا
معولًا ورفشًا، ما رأيك؟"
أجاب
جمال: "لا مانع!"
بسرعة
أخذ غسان الحجر وحمل المعول، بينما حمل جمال الرفش وبارودته الدك، ونزلا معًا إلى
مغارة "الشيحانة".
حين
وصلا إلى الملعب، قال غسان: "انظر إلى الحجر كيف سيتحرك وحده باتجاه
المغارة!" رماه على الأرض، فبدأ الحجر يتدحرج قاصدًا المغارة.
شهق
جمال وهو يشاهد المشهد وقال: "والله معك حق! وكنت أظن أن حرارتك
مرتفعة!"
سار
الأخوين خلف الحجر إلى أن وصل الأخير فوق المغارة وتوقف.
قال
غسان متحمسًا: "انظر ماذا سيحدث الآن!" رمى الحجر إلى أسفل المغارة، ودخل
إليها دون أن يلامس الأرض!
قال
غسان: "هيا ننزل ونرى أين الحجر!"
نزلا
إلى المغارة، وهناك وجدا الحجر في المكان ذاته، في آخرها. وما إن شاهداه حتى سقط
الحجر في ذات المكان الذي وقع فيه صباحًا.
قال
جمال متوترًا: "بالتأكيد يوجد شيء غامض هنا!"
وفورًا
بدأَ بالحفر، وبينما كان غسان يزيل التراب والحجارة وصل إلى صخرة ملساء.
أفرغ
كل التراب الذي كان فوقها وحولها، حتى أصبحت ظاهرة بكل حوافها.
قرصها
جمال من أحد جوانبها، فبدأت تتحرك. رفعاها معًا من مكانها ليجدا تحتها صندوقًا
صغيرًا.
نظر
جمال إلى غسان باندهاش وقال: "إنه الكنز!"
أخرج
الأخوان الصندوق الخشبي إلى وسط المغارة، ضربه جمال بالمعول ففتح. كانت المفاجأة
عندما وجدا داخله قطعة جلد عليها رسومات غامضة.
قال
جمال بحماس: "أكيد هذه خريطة للكنز!"
أجابه
غسان بتركيز: "تمهل قليلًا، دعنا نرى ما هي العلامات الموجودة على هذه
الخريطة!"
أمسك
غسان بالخريطة، فلاحظ وجود إشارات مبهمة، لكن كان واضحًا أنها تشير إلى اتجاهات
محددة، وكان عليه أن يفهمها. بدأ ينظر حوله محاولًا ربط الرموز بالمحيط، لكنه لم
ينجح في ذلك. حينها، تذكر الحجر الغامض.
قال
غسان فجأة: "يا جمال، أين الحجر؟"
ردّ
جمال باستغراب: "لا أعرف، أنت أين وضعته؟"
تذكر
غسان أنه كان قد وضعه على الأرض أثناء إزالة التراب، فبحث عنه بين الأتربة حتى
وجده.
وما
إن أمسكه بيده حتى بدأ الحجر يهتز، وكلما اقترب من الخريطة أو الجلد زاد اهتزازه
أكثر فأكثر.
وضعه
غسان على الجلد، وإذ بهما يبدآن في التحليق بالهواء، ليقف الحجر والخريطة أمام المغارة،
وعندها أصبحت الإشارات مفهومة!
كان
أحدها يشير إلى المغارة التي تقابل مغارة "الشيحانة" في الجهة الأخرى من
الوادي، وإشارات أخرى تشير إلى مكانٍ نحو الجنوب أو الغرب، باتجاه قبر الزير.
بينما المكان الآخر بدا وكأنه صخرة التنور، كونها في نفس الاتجاه.
قرر
الأخوان الذهاب إلى قبر الزير أولًا، لكن جمال طلب من غسان التريّث قليلاً للتأكد
مما إذا كانت الخريطة صحيحة أم لا.
وبينما
كانا يناقشان الأمر، سمعا أصوات أولاد يتجهون نحو مغارة "الشيحانة"،
فشعرا بالحرج، وخافا أن يكتشفهما أحد. أسرعا إلى داخل المغارة، وأعادا الحجر إلى
مكانه، ثم طمراه تحت التراب مجددًا، وأخفيا أدواتهما بين الأعشاب الكثيفة المحيطة
بالمكان.
وصل
الأولاد إلى المغارة وسألوا جمال بفضول: "هل وجدتم شيئًا؟"
ردّ
عليهم جمال ببروده: "لا يوجد شيء هنا!"
تابع
الأطفال طريقهم نحو قبر الزير، عندها قرر جمال وغسان العودة إلى المنزل على أن
يكملا أمر المغامرة لاحقًا.
صعدا
إلى الحارة، ولعبا كعادتهما، دون أن يخبرا أحدًا بما حدث.
وفي
صباح اليوم التالي، توجه الأخوان إلى قبر الزير. بعد أن تأكدا من خلوّ المكان،
أخرجا الحجر والخريطة، فتحرك الحجر من تلقاء نفسه، وبدأ يتدحرج حتى توقف قرب
الصخور المحيطة بالقبر.
بدأ
الأخوان الحفر في ذات الموقع، حتى وجدا صخرة ملساء أصغر من التي كانت في مغارة
"الشيحانة". أزالا عنها التراب ورفعاها، فإذا بداخلها صندوق خشبي آخر،
يحتوي على خريطة جديدة!
نظر
الأخوان إليها، فوجدا أنها تمثل تكملة للخريطة التي بحوزتهما.
وضعا
الخريطتين بجانب بعضهما، وعندها بدأ الحجر بالدوران والارتفاع في الهواء، ليواجه
اتجاه صخرة التنور مباشرةً.
نظر
الأخوين لبعضهما وقالا بحماس: "فلنذهب إلى التنور ونرى ماذا سنجد هناك!"
لكن
عندما وصلا إلى التل المقابل لصخرة التنور، لاحظا وجود مجموعة من الناس هناك.
قررا
إخفاء المعول والرفش في مكانٍ بعيد عن الأنظار، ثم عادا إلى الحارة، على أن يعودا
لاحقًا لاستكمال البحث عن الكنز…
في
اليوم التالي، توجها إلى صخرة التنور، متأكدين من عدم وجود أحد يراقبهما. وضعا
الخريطتين على الأرض، ثم الحجر فوقهما، ليبدأ الحجر بالتحرك بسرعة نحو مكان يبعد
حوالي عشرة أمتار عن صخرة التنور، قبل أن يتوقف هناك ويسقط على الأرض.
بدأ
بالحفر حتى وجدا شقًّا في الصخرة، لكنه كان مغلقًا ببعض الحجارة الكبيرة.
صخرة التنور
استمرا
في الحفر إلى أن أصبح من الممكن نزع تلك الحجارة بسهولة. وعندما أزالا آخر حجر،
اكتشفا وجود حجر آخر بالداخل، لكن شكله كان غريبًا، إذ بدا كأنه على هيئة حيوان
غير معروف.
نظرا
إلى الداخل بحثًا عن أي شيء آخر، لكنهما لم يجدا شيئًا إضافيًا، فأعادا ردم
الحفرة.
قال
غسان لأخيه: "لنأخذ معنا هذا الحجر إلى البيت."
عادا
أدراجهما، لكن عندما وصلا إلى قبر الزير، بدأ الحجر بالاهتزاز فجأة، مما جعلهما
يشعران بأن هناك شيئًا آخر يجب اكتشافه في هذا المكان.
تركاه
على الأرض، فإذا به يطير بسرعة ويدخل إلى مغارة قبر الزير، ليستقر في مكان على
يسارهما مباشرةً.
قررا
الحفر تحت الموقع الذي وقف فيه الحجر، وما إن بدّأَ الحفر حتى ظهرت فجوة في صخرة
قبر الزير.
نزل
الحجر إلى مدخل الفتحة، ثم بدأ يتحرك جيئة وذهابًا داخلها، مما أثار استغراب
الأخوين.
قال
جمال مترددًا: أعتقد أنه يريد منا أن نمدّ يدنا إلى داخلها!
تحلّى
جمال بجرأة كبيرة، فمدّ يده داخل الفتحة بحذر شديد، متحركًا ببطء وكأنه يخشى وجود آمر
ما في الداخل.
وما
إن وصلت يده إلى شيء يشبه المقبض، حتى أمسكه وبدأ بتحريكه يمينًا ويسارًا.
ولكن
عندما دفعه باتجاهه، تحركت العصا، وحدثت فجأة حركة غريبة داخل المغارة!
دبّ
الرعب في قلبيهما، فهرعا إلى الخارج بسرعة، معتقدين أن زلزالًا قد وقع.
لكن
عند خروجهما، لم يعد هناك أي صوت غريب.
بعد
أن استعادا أنفاسهما، قررا الدخول مرة أخرى لاستكشاف ما حدث، فوجدا أن أرضية
المغارة قد انشقت، وظهر درج يقود إلى أسفل!
شعر
الأخوان بالخوف الشديد، وقررا عدم النزول، بل العودة إلى البيت، إذ كان جسدهما
يرتجف من الرعب.
قال
جمال بقلق: " يجب أن لا نترك المغارة بهذه الحالة. علينا أن نعيدها كما كانت
كي لا يكتشفها أحد."
مدّ
يده إلى الفتحة، وأعاد المقبض إلى وضعه السابق، وما إن فعل ذلك، حتى بدأ الاهتزاز
داخل المغارة من جديد، لتعود كما كانت، وكأن شيئًا لم يحدث!
غادرا
قبر الزير عائدين إلى البيت، غير قادرين على استيعاب ما حدث خلال اليومين
الماضيين.
وفي
طريقهما، دار حديث بينهما: قال جمال متسائلًا: "هل تعتقد
أننا سنجد كنزًا وراء هذا العمل؟"
تنهد
غسان وقال بتوتر: "لا أعرف ماذا أقول... ما حدث اليوم يرعبني كثيرًا، خاصة
عندما فتحت أرضية المغارة، شعر غسان بالغثيان بسبب الخوف، ثم نظر إلى أخيه وقال:
"والله إنك تُخيفني بجرأتك! كيف خاطرت وأدخلت يدك في الفجوة دون أن تفكر إن
كان هناك ثعبان أو عقرب أو أي شيء يمكن أن يؤذيك؟!"
ابتسم
جمال وقال بصراحة: "لأكون صادقًا معك، لقد شعرت بالخوف، لكن إحساسي يقول لي
إنه لا يوجد شيء مخيف هنا، إلا إذا دخل أحد الغرباء، وأتمنى ألّا يحدث ذلك
أبدًا."
قال
غسان متفكرًا: "طيب، إن احتجنا إلى مساعدة، من يمكننا أن نثق به من بين
الشباب؟"
أجابه
جمال: "دعنا نترك الأمور تتكشف بحسب الظروف، فلكل عقدة حلّ."
سأل
غسان بجدية: "طيب، من منا سينزل داخل المغارة ومن سيبقى خارجها؟"
أجاب
جمال بعد تفكير: "لم أفكر في ذلك من قبل، لكن رغم أنني لا أعتقد أن الأمر
خطير كما تتصوره، لكن علينا أن نكون شديدي الحذر. يجب أن نعرف كيف نغلق الفتحة من
الداخل، وأن نكون منتبهين عند نزول الدرج. الأفضل أن ينزل أحدنا أولًا بينما يبقى
الآخر فوق، فإذا أُغلقت الفتحة لسبب مجهول، وتعسّر على من في الداخل فتحها، يمكن
لمن في الخارج أن يعيد فتحها."
أومأ
غسان موافقًا: "كلامك منطقي وصحيح! علينا أن نراجع كل خطوة نقوم بها في هذه
المغامرة، ولا ننسى أنه يجب أن يكون معنا مصباح للإنارة."
أجاب
جمال مطمئنًا: "جيد أنك تذكرت ذلك! يجب أن يكون معنا ضوء، لدينا مصباح في
البيت، ويمكن أن نستعير مصباحًا آخر من أحد رفاقنا، كما علينا تأمين بطاريات
إضافية حتى لا ننقطع في منتصف الطريق."
تساءل
غسان: "ومن أين لنا المال لتأمين بطاريات إضافية؟"
ابتسم
جمال بثقة وقال: "اترك الأمر لي!"
في
البيت، خبّأ الأخوان الخرائط والأحجار في خزانة الحائط، وطوال اليوم كانا يجهزان
الأغراض التي سيأخذانها معهما في اليوم التالي، من أدوات الإنارة، وماء الشرب،
وبعض الخبز والطعام.
أحضرا
حقيبتين مجهزتين بأحزمة للظهر كانت والدتهما تستخدمهما سابقًا ولم تعد تهتم بهما،
فقاما بتوزيع الأغراض داخلهما بالتساوي. تشاورا في كل خطوة سيقومان بها حتى تم
تأمين كل شيء كما يريدان.
وفي
صباح، استيقظا مبكرًا وهمّا بالنزول إلى قبر الزير، لكنهما فوجئا بوالدتهما تطلب
منهما القيام ببعض الأعمال، فأنجزاها بسرعة وعلى مضض، ثم توجها فورًا إلى المكان
الهادف.
قال
جمال وهو ينظر إلى المغارة: "غسان، ابقَ خارجاً، سأفتح أرضيتها وأنزل على
الدرج، وأتفقد كل درجة وحدها، لاحتمال وجود فخّ. في الوقت نفسه، سأبحث عن فتحة
داخلية يمكن استخدامها لإغلاق الفتحة من الداخل، وبهذا نكون قد عرفنا كيف نفتحها ونغلقها
من الخارج والداخل."
دخل
جمال إلى المغارة، وفتح الأرضية من المكان الذي فتحها أمس، وبدأ جمال بالنزول بحذر شديد على درجات
الدرج، متأكدًا من عدم وجود أي فخاخ مخفية. كان يخطو ببطء، متفحصًا كل درجة على
حدة حتى دخل بالكامل عبر الفتحة.
أضاء
المصباح، ولاحظ وجود فتحة داخلية يمكن استخدامها للإغلاق والفتح، تمامًا كما توقع.
أغلقها لفترة وجيزة ثم أعاد فتحها من جديد، ونادى أخاه: "لا داعي للخوف، كما قلت
لك!"
كانت
الجدران مليئة بخيوط العنكبوت، فبدآ بإزالتها أثناء تقدمهما في دهليز طويل امتد
لمسافة خمسة أمتار تقريبًا.
كان
جمال يتقدم في المقدمة، وغسان خلفه، لكنه شعر فجأة أن الجدران تضيق حوله، فحثّ
أخاه على الإسراع، إذ بدأ يشعر بالقلق.
تحركا
بسرعة حتى دخلا غرفة واسعة، وإذا بالدهليز يختفي تمامًا خلفهما!
شعرا
بذعر شديد، لكن عندما أدركا أنهما في غرفة كبيرة، استعادا بعضًا من رباطة جأشهما،
ووجّها المصباح إلى الجدران لاستكشاف المكان.
وجدا
أن الجدران مغطاة برسومات غامضة، وبينما كانا يحاولان فكّ رموزها، شعرا بصعوبة في
التنفس.
حاولا
العودة من حيث أتيا، لكنهما أدركا أن الدهليز قد اختفى بالكامل!
أثناء
بحثهما عن مخرج، لاحظ غسان وجود فتحة يدخل منها القليل من الضوء، لكنها كانت
مسدودة بالتراب.
ضربها
بكعب المصباح عدة مرات، ففتحت طاقة سمحت للهواء بالدخول إلى الغرفة.
وقف
الأخوان أمام الفتحة، واستنشقا الهواء النقي حتى شعرا بالراحة والهدوء.
بعد
أن استعادا تركيزهما، بدأَ بتأمل الرسومات والكتابات، لكنهما لم يستطيعا فهمها.
فتح
غسان حقيبته وأخرج الحجر منها، وبمجرد أن حمله بدأ بالدوران والمرور على جميع
الرسومات التي تغطي جدران الغرفة.
كانا
يتبعان حركة الحجر بمصباحيهما، ليلاحظا أن الرسومات بدأت تتغير تدريجيًا حتى أصبحت
واضحة ومفهومة!
قال
غسان بحماس: "هل تلاحظ يا جمال ما أراه؟"
ردّ
جمال متسائلًا: "ما هو الشيء الذي تراه؟"
أشار
غسان إلى الجدار وقال: "انظر إلى الأعلى، ماذا ترى؟"
تأمل
جمال قليلًا قبل أن يقول: "أرى شكل طائر!"
ابتسم
غسان وقال: "نعم، إنه طائر! لكنه يتحرك باتجاه هذه القلعة، أليس كذلك؟"
دقّق
جمال النظر قبل أن يهتف: "الآن رأيتها! هل هذه القلعة هي برج صافيتا؟"
هزّ
غسان رأسه وقال بتفكير: "أعتقد ذلك، لكن الرسمة تعطينا دليلًا على وجود غرف
وطرق وأدراج تحت القلعة!"
المفاجأة
الكبرى داخل المغارة
جمال:
"صحيح! هل هذا يدلنا إلى البرج؟"
غسان:
"أعتقد أنه يجب أن نراجع الخرائط التي معنا."
أخرج
غسان الخرائط من حقيبته، وبمجرد أن وضعها بجانب بعضها، بدأ الحجر الذي نسيا وجوده
بالدوران من جديد. ثم توقف فوق الخرائط أمام شكل يشبه الرقم ثمانية، ويمتد منه درج
طويل يتصل بطريق أو دهليز يؤدي إلى القلعة.
غسان:
"أعتقد أن هذا الرسم يشير إلى المغارة التي تقع فوق أرض الحمام!"
جمال:
"فعلاً، الرسم يشبهها!"
غسان:
"حسنًا، هذا الحجر الذي يشبه الحيوان لا بد أن يكون له معنى. دعني أخرجه من
الحقيبة."
أخرجه
غسان، وحمله بين يديه، فبدأ الحجر الدوّار بالنزول إلى نقطة معيّنة في الأرض.
وعندما أضاءا المكان، تبين لهما أن النقطة تناسب الحجر الذي يحمله غسان.
جمال:
"لنضعه هنا ونرى ما سيحدث!"
وضع
غسان الحجر الذي يشبه الحيوان في الموقع الذي توقف فوقه الحجر الدوّار، وضغطه
قليلًا. فجأة، صدر صوت من أحد الجدران.
أمسك
غسان الحجر الدوّار وأعاده إلى حقيبته، وأخذ يراقب الجدار الذي بدأ يظهر عليه باب،
وانساب منه نسيم وهواء نقي، مما جعلهما يشعران براحة أكبر في التنفس.
لكن
رغم ذلك، أحس الأخوان بالخوف والدهشة مع فتح الباب. ركّزا نظرهما نحو ما يوجد
خلفه، لكنه كان مظلمًا، فأضاءاه بواسطة المصابيح الكهربائية التي كانت بحوذتهما.
ما
إن انكشف الظلام حتى ظهرت أمامهما غرفة واسعة، وفي وسطها بركة ماء كبيرة!
تقدما
من الباب ونظرا داخل الغرفة، فوجدا أن جدرانها مزينة برسومات جميلة جدًا، كما
لاحظا أن هناك طريقًا جافًا حول البركة، وفي آخر الغرفة، كان هناك ممرٌ آخر.
تشاور
فيما بينهما، وقررا أن يكملا ما بدآ به.
تقدم
غسان من البركة، ولمس ماءها فوجده باردًا، فشرب منه وغسل وجهه، مما جعله يشعر
بالانتعاش.
جمال:
"والله كنت خائف من ماء البركة، لكنك شجعتني على الشرب وغسل وجهي
أيضًا!"
بعدها،
شعرا بالانتعاش، وقررا أن يسيرا كلٌ منهما في اتجاه مختلف، متأملين الجدران.
واصلا
السير حتى التقيا عند نقطة أمام الممر الذي بدا وكأنه يؤدي إلى مكان آخر.
دخلا
إليه، فوجداه دهليزًا ضيقًا وطويلًا ذو سقف منخفض.
مشيا
خلف بعضهما بسرعة، خوفًا من أن يحدث لهما ما حدث في الدهليز الأول، إلى أن وصلا
إلى درج يصعد إلى الأعلى.
تسلقا
الدرج بسرعة، حتى وصلا إلى غرفة واسعة، ولكن المفاجأة الكبرى كانت عندما وجدا
رسمًا لهما كما هما في تلك اللحظة، على جدران الغرفة!
كان
الرسم يظهر جميع المراحل التي مرا بها، من لحظة مطاردة غسان للحجر، وصولًا إلى
وقوفهما داخل هذه الغرفة، هو وأخوه جمال…
العودة
من المغامرة والمفاجأة في البيت
جمال:
"ماذا حصلنا عليه من كل هذا التعب الذي بذلناه؟"
غسان:
"علمي علمك، المهم الآن هو كيف سنخرج من هنا!"
بدأت
الكتابات على الجدران تتغير فجأة، لتظهر رسالة تقول: "مبروك لكما! لقد أنهيتما المرحلة
الأولى من مغامرتكما بنجاح، والكنز ينتظركما في القلعة."
شعر
الأخوان بالإحباط، إذ لم يحصلا على أي شيء حتى الآن، كما أنهما لم يعرفا طريق
الخروج من هذا المكان.
لكن
فجأة، ظهرت كتابة جديدة على الحائط تقول: "انظرا خلفكما، يوجد درج يمكنكما
الخروج منه. لن تعودا إلى هنا مرة أخرى مطلقًا، ولا يجب أن تذكرا هذه المغامرة
أمام أحد."
وتابعت
الكتابة لتقول: "لقد حصلتما على درع المغامر، الذي يمكن أن يفيدكما في المراحل
القادمة."
نظر
غسان إلى جمال قائلاً: "هل هناك مراحل أخرى، أم أننا سنتوجه مباشرة إلى
القلعة؟"
ظهرت
كتابة جديدة على الجدار تقول: "نعم، هناك عدة مراحل قبل الوصول
إلى النهاية في القلعة. وبما أن أحدكما يفكر بالمال أكثر من أي شيء آخر، هناك عشر
قطع ذهبية على الدرج، خزوها معكما، فهي هدية لكما!"
اتجه
الأخوين نجو الدرج، وبينما كانا يصعدان، وجدا درعين. كان أحدهما عليه رسم نسر،
والآخر عليه رسم دب.
اختار
غسان درع النسر، بينما أخذ جمال درع الدب.
ألقيا
نظرة أخيرة على المكان، ثم صعدا إلى الدرج وأخذا كيسين يحتويان على عشر قطع ذهبية
لكل منهما.
وعندما
وصلا إلى أعلى الدرج، فتح الباب، وانساب منه نور شديد أذهلهما، لكنهما استمرا
بالصعود حتى وصلا إلى النهاية، ليجدا نفسيهما في مغارة "الشيحانة"!
وفور
دخولهما المغارة، اختفى الباب، وبدأ الدرعان يتقلصان ليصبحا مثل أساور حول
أيديهما، لكن شكلهما كان رائعًا وجذابًا.
كما
وجد جمال بارودته الدك داخل المغارة، فتأملها قائلاً: "يبدو أنهم لا يسمحون
لأحد بأخذ أي شيء من الخارج!"
هنّأ الأخوان بعضهما البعض على نجاحهما في اجتياز المغامرة الأولى، وانطلقا نحو البيت، يشعران بالفرح والسعادة لإنهاء جولة من جولات المغامرة
نلتقي بالمرحلة الثانية من مغامرات الشقيقان - من هنا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا، بكم امل ان تجدوا ما يجعلكم تتابعون المدونة دائما،
مع محبتي واحترامي