الأحد، 3 مايو 2026

المرحلة الثالثة

 




المرحلة الثالثة

عند وصولهما إلى البيت، يلاحظان أن غيابهما لم ينتبه إليه أحد، بل وكأنهما كانا في المنزل طوال الوقت، فلم يسأل عنهما أي من إخوتهم أو والدتهم. فيستغربان ذلك، وهما في حيرة من أمرهما.

تسألهما إحدى أخواتهما عن المكان الذي اشتريا منه الأساور:

الأخت: من أين اشتريتما هذه الأساور؟

جمال: لقد اشتريناهما من بائع حمصي.

الأخت: لماذا لا يشتري أحد غيركما هذه الأساور؟

غسان: نحن محظوظان جدًا، لقد اشترينا منه مرتين!

الأخت: ولماذا لا تشتريان لي ولأختنا الأخرى سوارًا مثلهما؟

(ينظر جمال إلى غسان ليعرف ماذا يجب أن يقول لها.)

غسان: حسنًا، أعدك بأن أشتري لكما سوارًا عندما نعود ونلتقي به.

الأخت: شكرًا أخي!

جمال: كيف وعدتها وأنت لا تعرف إن كنا سنحصل على واحد آخر أم لا؟

غسان: يا أخي، لقد وعدتها إن وجدناه، ثم يمكننا أن نطلب درعين لهما.

جمال: لكن كل درع له دور في المهمة!

غسان: في نهاية المرحلة الثالثة سأطلب منهم أن يعطونا درعين لأخواتنا، إن وافقوا فسيكون ذلك رائعًا، وإن لم يفعلوا، فلكل حادث حديث.

جمال: رغم أنني غير مقتنع بكلامك، لننتظر ونرى. لدي سؤال أيضًا، لماذا لم يلاحظ أحد غيابنا؟ هل يُعقل أننا خرجنا وعدنا في نفس الزمن؟ كان يجب أن نحمل ساعة لنعرف إن كان الزمن يتوقف، فنحن نعيش الوقت هناك كما هو، لكن عند العودة، نعود في نفس اللحظة.

غسان: أعتقد أنك محق في سؤالك، لكن لماذا لم ننتبه لهذا في المرحلة الأولى؟

جمال: ربما لأننا كنا سعيدين بكل ما حصل معنا ولم نهتم للوقت، وربما أيضًا لأننا كنا نتحرك بشكل متقطع، وليس كما في المرحلة الثانية حيث كانت متصلة بشكل كامل.

غسان: هذا التفسير يبدو الأقرب إلى الواقع. يا أخي، يجب أن نستعمل القطع الذهبية من أجل العائلة، ونشتري لهم ما ينقصهم من أغراض ومؤونة للبيت.

جمال: معك حق، لكن أين يمكننا أن نبيع القطع الذهبية لنتمكن من الشراء بها؟

غسان: لنأخذ كل واحد منا قطعة ونذهب إلى أحد الصاغة ونعرضها عليه، وسنعرف حينها ماذا سيحصل معنا.

جمال: هيا بنا!

(يأخذ كل واحد منهما قطعة ذهبية، ويتجهان إلى السوق في الحارة الغربية. وعند دخول أول محل يجدانه، يستقبلهما صاحب المحل بطريقة لائقة رغم صغر سنهما. يتقدم جمال، باعتباره الأكبر، ويقدم القطعتين للصائغ قائلًا:) جمال: نريد أن نبيعهما.

(يأخذ الصائغ القطعتين ويزينهما، ثم يدفع لهما ثمنهما.)

الصائغ: كلما أردتما بيع قطعة ذهبية، يمكنكما القدوم إليَّ، ولا تخافا أبدًا.

(يضع جمال المال في جيبه، ثم يخرجان إلى الشارع، وعندما يصبحان خارج المحل، يعطي جمال أخاه حصته من المال. وفي طريقهما إلى البيت، يشتريان بعض الحلويات، والمأكولات، والخضار والفواكه. وعندما يصلان إلى المنزل، تستغرب العائلة مما أحضراه، لكنها تتقبل ذلك بسعادة ودون أي استفسار.)

ثم أعطيا بعض المال لوالدتهما لتنفقه على العائلة، فشكرتهما بحرارة.

بعد مرور عشرة أيام على انتهاء المرحلة الثانية، كان جمال وغسان في عين الشرقية مع بعض الأصدقاء. فقال أحد أصدقاءهم، ما رأيكم أن نلعب لعبة "المستعد"؟

هذه اللعبة لها أدواتها:

- عصا طويلة يبلغ طولها حوالي سبعين سنتيمترًا أو أكثر بقليل.

- عصا صغيرة بطول خمسة وعشرين سنتيمترًا تقريبًا.

- حجران متساويان في الارتفاع.

تُوضع العصا الصغيرة على الحجرين، وتُوضع العصا الطويلة تحتها، ثم يقذفها اللاعب إلى أبعد مسافة ممكنة عن الحجرين.

يتكوّن اللاعبون من فريقين، ولا يهم عدد الفريق بقدر ما يهم التوزيع العادل بينهم. عند قذف العصا الصغيرة نحو الفريق الخصم، يجب

على لاعبي الفريق الخصم أن يكونوا متنبهين لمكان سقوطها حتى يتمكن أحدهم من التقاطها.

إذا تمكن أحدهم من إمساكها، فعليه أن يضربها نحو الحجرين، وعلى اللاعب الذي قذفها في البداية أن يصدها ويُبعدها عن الحجرين. فإذا فشل في صدها وأصبحت قريبة من الحجرين بمقدار العصا الطويلة، يخسر فريقه.

أما إذا لم يتمكن أحد من الفريق الخصم من التقاط العصا الصغيرة وسقطت على الأرض، فعلى اللاعب الذي قذفها أن يضربها ثلاث مرات

على الأرض، وكلما ارتفعت في الهواء، يجب عليه ضربها وإبعادها قدر الإمكان بعد الضربة الثالثة.

بعد تحديد موضع سقوط العصا الصغيرة، يقوم اللاعب بقياس المسافة بالعصا الطويلة، ويعد عدد العصِي حتى يتعب أحد الفريقين وتنتهي اللعبة. الفريق الذي يحقق العدد الأكبر يكون هو الفائز.

نعود إلى أبطالنا وأصدقائهم...

عندما وضعوا الحجرين، كانا بجوار جرن العين، وكان "السارود" خلفهم. كان الأخوان في نفس الفريق، وكان غسان هو أول من سيقذف العصا. وحين قذفها، التقطها أحد أعضاء الفريق الآخر، فكان على غسان أن يدافع عن الحجرين.

لكن عند قذف اللاعب للعصا الصغيرة، ارتطمت بالعصا الكبيرة، وانحرفت بسرعة إلى الوراء، وسقطت في "السارود" بين الأعشاب والعليق الكثيف.

انطلق غسان وأخوه جمال ليريا أين وقعت العصا، وهما سعيدان جدًا لأنها ابتعدت هذه المسافة عن الحجرين. بدآ في البحث عنها، بينما قال أحد الأصدقاء: لقد ضاعت بالتأكيد، لأننا لم نرَ أين سقطت!

لكن الأخوان أصرا على إيجاد العصا الصغيرة حتى شاهداها في مكان بعيد بين الديس. غير أن الوصول إليها لم يكن سهلاً، وكان عليهما فتح كوة في الديس للعبور إليها.

استمر إصرارهما على جلب العصا، بينما أصر الفريق الآخر على أنها ضاعت، فتم إنهاء اللعبة، وعاد الأصدقاء إلى منازلهم.

أما الأخوان، فبقيا يحاولان جلب العصا الصغيرة. وعندما فتحا كوة في الديس وأمسكا بها، وجدا نفسيهما في مكان غريب لم يريا مثله من قبل، فنظرا حولهما ليكتشفا أين هما وكيف وصلا إلى هذا المكان.

غسان: هل شاهدت الدوامة يا جمال؟

جمال: أي دوامة؟ لم أشاهد شيئًا على الإطلاق.

غسان: يبدو أن كلما لعبنا إحدى ألعابنا، يبدأ فصل جديد من المغامرة، وهذه ثالث لعبة، صحيح؟

جمال: صحيح.

غسان: أعتقد أن الدوامة حين تظهر، تفتح لنا بابًا بين الواقع الذي نكون فيه وواقع آخر نصبح جزءًا منه. علينا الآن أن نعرف كيف نتحرك في هذا المكان، وهو يبدو موحشًا جدًا!

جمال: علينا أن نمشي، ونستكشف قوة الدرعين الجديدين والقديمين.

غسان: نطقت بعين الصواب، أخي!

(رفع غسان يده اليمنى فظهر النسر، ليحدد لهم الاتجاه، فبدأ بالتحليق، يدور بشكل دوائر، وهما ينتظران إشارة منه. فجأة، نزل النسر إلى الأرض ووقف على أحد الحيطان أمامهما، مما أثار استغرابهما.)

جمال: لماذا وقف على هذا الحائط تحديدًا، وليس على أي حائط آخر؟

غسان: لا أعلم لماذا فعل ذلك، لكني أشعر بأن علينا تجربة درع المطرقة!

جمال: حسنًا، أطلقه لنرى ما يحدث!

يرفع غسان يده اليسرى، فتندفع المطرقة مباشرة نحو الحائط الذي يقف عليه النسر، فتضربه بقوة، مما يجعل النسر يعود إلى التحليق في السماء. استمرت المطرقة بضرب الحائط حتى فتحت فيه ثغرة يمكنهما الدخول منها. لكن النسر يصرخ وكأنه يحذرهما من خطر خلف الجدار.

يقرر جمال إطلاق الدب، فيتقدم الدب أمامهما حتى يصل إلى الفجوة، وما أن يهم بالدخول حتى يصاب بسهم في أحد يديه، فيزمجر زمجرة رهيبة ومرعبة، تجعل الأخوين يشعران بالخوف الشديد.

يركض جمال نحو الدب، ويقول له: أنا خلفك، أريد مساعدتك!

لكن الدب يرفض أن يقترب منه جمال، بل يحاول إبعاده عن الكوة في الجدار. لكن جمال يتقدم نحو الفجوة، وينظر داخلها ليراقب ما يحدث.

في الداخل، يجد قرودًا تحمل أقواسًا وسهامًا، فينادي أخاه غسان، ويطلب منه ألا يقترب حتى يعطيه إشارة. يرد عليه غسان بإشارة الموافقة على طلبه.

جمال: يرفع يده اليسرى، فيظهر القوس والسهام، فيبدأ بإطلاق السهام على القرود، ويتمكن من القضاء عليهم جميعًا.

عندما يتأكد جمال من الوضع أصبح تحت السيطرة، وأنه لم يعد هناك خطر يهددهم، يدخل من الكوة بحذر، وينظر حوله وهو في وضع قتالي، لكنه لا يجد أي قرد أمامه، يعود جمال إلى الدب، فيجده جالسًا يزمجر، فينظر إليه ويقول: يجب أن نسحب السهم من يدك.

يمسك السهم، يكسر رأسه، ثم يسحبه من مكانه، فيئنّ الدبّ بصوت قوي، دليل على ألمه. في هذه اللحظة، يجد غسان عشبة كانت تقول والدته إن دقها ووضعها على الجرح ستساعده على الشفاء بسرعة.

يأخذ غسان بعض الأوراق، يطحنها بحجرين، ثم يضعها على يد الدب المصابة، ويضمدها بقطعة قماش من قميصه، فيهدأ الدب.

جمال: يطلب من الدب أن يعود إلى الدرع.

يعود الدب إلى الدرع، ويعود معه النسر والمطرقة، بينما يبقي جمال القوس والنبال معه.

يدخلان إلى ما وراء الحائط، ويمشيان بين حائطين دون سقف، وهما يشعران بالخوف من عودة القرود. أخيرًا، يصلان إلى باب، فيدخلان منه إلى بهو كبير، ممتلئ بأعمدة ضخمة وطويلة، تشبه إلى حد كبير أعمدة برج صافيتا في الطابق الثاني، لكنها أكثر عددًا.

يمشيان بين الأعمدة بصمت، لا يسمعان أي حركة، ويتواصلان بصوت خافت جدًا أو بالإشارة. كلما تقدما في البهو، يجدان أن الأعمدة لا نهاية لها، ولا يعرفان إلى أين يتجهان، فيتوقفان بين أربعة أعمدة.

غسان: يرفع يده اليسرى، فتندفع المطرقة وتأخذ اتجاهًا، فيركضان خلفها بسرعة حتى تصلا إلى نهاية البهو، وهناك يجدان مخرجًا يؤدي إلى حديقة مليئة بالأشجار، لكنها بلا ثمار.

جمال: هذه الحديقة لا تبشر بالخير يا غسان.

غسان: أعتقد ذلك.

يطلق جمال القوس والسهام، يمسك القوس بيده، ويضع جعبة السهام على ظهره. يمشيان بين الأشجار دون كلام، لكنهما يشعران بشيء يتحرك حولهما ولا يمكنهما رؤيته.

يقرر غسان إطلاق النسر، وفور أن يصيح النسر، يظهر فجأة تنين صغير، سريع جدًا في التنقل، لكنه يتودد لهما ويقترب منهما، إذ كان خائفًا من النسر بسبب حجمه الكبير.

يعيد غسان النسر إلى الدرع، وما إن يختفي النسر، حتى يعود التنين إلى الاختفاء.

غسان: (يوجه كلامه إلى التنين) إذا كنت تريد أن تصبح صديقًا لنا، عليك أن تظهر لنا وتبقى معنا، وإلا سيعود النسر.

وما إن أنهى غسان كلامه، حتى عاد التنين إلى الظهور ومشى بجانبهما.

مد جمال يده نحو رأس التنين وربّت عليه، فإذا بالتنين يطلق نارًا من فمه، فيرتعب الأخوين من ردة فعله، لكن قربه منهما جعلهما يشعران بأنه ودود وليس شريرًا.

جمال: ألا نهاية لهذه الحديقة؟ لقد ضاق خلقي منها!

فجأة، يسمعان صوتًا غير مألوف يقول: أنتم الآن في حديقة الشَرَك، ينظر الأخوان يمينًا ويسارًا ليعرفا من يتحدث إليهما، فيعود الصوت مجددًا قائلًا: نعم، أنتم في حديقة الشَرَك، ولكي تتخلصوا منها، عليكم قتلي!

غسان: من أنت؟ ومن أين تتكلم؟ وكيف يمكننا قتلك وأنت غير مرئي لنا؟

جمال: لقد عرفت من أنت، وأصبحت تحت مرماي!

يطلق جمال سهمًا، فيصيب طائرًا بحجم البجعة، يبدأ بالنزيف، لكن دماؤه زرقاء اللون.

الطائر: لقد أرحتني من هذه الحياة التي كنت أعيشها. الآن ستعود الحديقة إلى حالتها الأصلية، قبل أن يُسلَّط عليها السحر من قبل ساحر شرير. سهمك قتل السحر الذي حولني إلى بجعة، والآن أعود إلى حقيقتي!

يبدأ الطائر في التحول تدريجيًا، فيكبر شيئًا فشيئًا، ويعود إلى شكله الأساسي: تنين كبير!

يفرح التنين الصغير بشدة، ويطلق نيرانًا من فمه تعبيرًا عن سعادته. ومع عودة التنين الكبير إلى حجمه الطبيعي، تعود الأشجار إلى طبيعتها، وتستعيد ثمارها، ثم يبدأ التنين الكبير بالكلام مع الأخوين.

التنين الأم: شكرًا لكما لأنكما خلَّصتماني من السحر. هذا التنين الصغير هو ابني.

جمال: نحن سعداء لأنك تخلصتِ من السحر، وأيضًا لأنك أصبحتِ قرب ابنكِ. هل يمكنكِ أن تدلينا على طريق للخروج من هنا؟

التنين الأم: بالتأكيد يوجد طريق، لكنه وعر، وفيه العديد من الكمائن، لذا عليكما الانتباه لكل مكان تدخلانه!

غسان: ألا يمكنكِ مساعدتنا في عبور هذا المكان الصعب؟

التنين الأم: لا أحد يستطيع مساعدتكما في هذا المسار، لكنني أستطيع أن أُسدي لكما نصيحة:

احرصا على البقاء معًا، وليس لكما سوى حبكما لبعضكما، فلا تجعلا أي شيء يفرق بينكما.

وأيضًا، أنصحكما بأن تأكلا جيدًا من ثمار هذه الحديقة قبل المغادرة، وإذا استطعتما حمل بعض الثمار معكما، فافعلا ذلك.

تشير التنين الأم إلى جهة معينة للخروج، فيبدأ الأخوين بقطف بعض الثمار التي يحبونها، يأكلان حتى يشعران بالشبع، ثم يشربان ماءً من نبع في الحديقة، قبل التوجه إلى المنفذ الذي أرشدتهما إليه.

ما إن يخرجا من المنفذ حتى يجدا نفسيهما داخل غرفة، فيها نوافذ وأبواب.

جمال: أي باب يجب أن نفتحه يا غسان؟

غسان: لا أدري يا أخي، لكن إذا أردنا معرفة ذلك، علينا أن نجرب، فما رأيك؟

جمال: كم باب يوجد؟

غسان: يوجد ثمانية أبواب وخمسة نوافذ... ولماذا اخترت الأبواب ولم تفكر بالنوافذ؟

جمال: انظر من خلال النوافذ، تجد أن تحتها واديًا سحيقًا!

غسان: النظر من خلال النافذة شيء، وفتحها شيء آخر

جمال: خلينا نمشي كما تريد يا أخي.

يتوجه جمال إلى أحد النوافذ، ويحاول فتحها، لكنها لا تفتح. يجرب جميع النوافذ، كلها مغلقة.

جمال: الآن عرفنا أن النوافذ غير صالحة، فلنبدأ من أول باب على الجهة اليسرى.

غسان: ولماذا ليس أول باب على الجهة اليمنى؟

جمال: لأنك طلبت سابقًا أن نتفقد النوافذ، وقد فعلتُ ذلك، والآن عليك أن تجاريني.

غسان: لك ذلك يا أخي الكبير!

يشير له بالتقدم أمامه، فيتوجهان إلى أول باب على الجهة اليسرى. يفتحه جمال، لكنه يجد خلفه فراغًا بلا أرضية، فيغلقه بسرعة وهو يقول: أشكر الرب أنني لم أكمل المشي!

يتجهان إلى الباب الثاني، وعندما يفتحه جمال، يجد بداخله طيور دجاج كثيرة، فيغلقه بسرعة. ينتقل إلى الباب الثالث، فيجد فيه حيوانات كبيرة، أيضًا يغلقه. وهكذا، كل باب يفتحه يجد فيه إما طيورًا أو حيوانات، إلى أن يصل إلى آخر باب، وهو أول باب على الجهة اليمنى.

يفتح الباب، ليجد خلفه درجًا يؤدي إلى الأسفل.

جمال: (ينظر إلى أخيه غسان ويسأله) ما العمل حسب رأيك؟ هل ننزل أم نبقى هنا؟

غسان: أنا أفضل أن نخرج من إحدى النوافذ.

جمال: لقد حاولنا فتحها سابقًا، ولم نفلح!

غسان: فلنجرب مجددًا.

جمال: أنا جربت حظي، عليك أنت أن تجرب هذه المرة.

غسان: على عيني!

يذهب غسان إلى أول نافذة، ويفتحها، فتفتح بسهولة، ثم يجرب جميع النوافذ الأخرى، فتفتح أيضًا.

جمال: لماذا لم تفتح معي؟

غسان: لا أعلم يا أخي! انظر إلى هذه النافذة، يوجد بها سلم خشبي، لدينا خياران الآن: إما ننزل إلى الأسفل، أو نصعد إلى الأعلى. ما رأيك؟

جمال: لقد حيرتني يا أخي الصغير!

غسان: يا أخي الكبير، هذه المرة لك الاختيار أيضًا.

جمال: طالما أن الأمر كذلك، فلننزل على الدرج!

غسان: فليكن لك ما تريد!

يشير بيده لأخيه أن يمشي أمامه، فيمشي جمال في المقدمة، وغسان خلفه. ينزلان على الدرج، لعدة درجات، فتختفي الدرجات فجأة تحت أقدامهما، فيتحول الطريق إلى زحليطة، فما كان منهما سوى الانطلاق بسرعة إلى الأسفل.

يستمران بالركض نزولًا، إلى أن يصلا إلى مكان يتردد فيه أصوات عالية جدًا، صياح وتصفق. وهما يركضان، يسمعان الصياح والتصفيق، وفجأة يجدان انهما امام حلبة مصارعة

يقف جمال أمام حلبة مصارعة، وغسان خلفه، ينظران حولهما ليكتشفا المكان. المتفرجون يصرخون ويصفقون، لكنهم ليسوا بشرًا، بل على هيئة حيوانات غريبة، ويتحدثون بلغة غير مفهومة للأخوين.

في هذه اللحظة، يتقدم حيوان ضخم يشبه الجاموس لكنه بلا قرون، ويدفع جمال إلى وسط الحلبة، التي تخلو من الحبال. يرتفع صياح الجمهور، وجمال ينظر إلى أخيه مستفسرًا عن الخطوة التالية، فيرد عليه غسان بالإشارة، واضعًا إصبعين على عينيه ثم مشيرًا نحو الأمام.

ينظر جمال إلى الأمام، ليجد المخلوق الذي دفعه إلى الحلبة يقف أمامه مستعدًا للمصارعة. جمال لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره، بينما خصمه ضخم الجثة!

يضرب المخلوق جمال بيده، لكن جمال يقفز عاليًا، ويهبط على ظهره، ثم يوجه لكمة قوية بيده اليمنى، تجعل المخلوق يسقط أرضًا بلا حراك. يهيج الجمهور، وترتفع أصواتهم، بينما يرفع جمال يديه منتصرًا، سعيدًا بإنهاء المواجهة بضربة واحدة.

لكن قبل أن يهنأ بانتصاره، ينبهه غسان بخطر جديد خلفه، مخلوق شبيه بالمخلوق الذي قضى عليه للتو! يلتفت جمال بغضب إلى خصمه الجديد، يندفع نحوه، لكنه ينزلق على الأرض أثناء الهجوم، حتى يصل أسفل المخلوق، ثم يوجه له ضربة قوية إلى خصيتيه، مما يجعله ينقلب خارج الحلبة بلا حراك.

يرفع جمال يديه مجددًا، ويصرخ بحماسة، يدق على صدره متحديًا أي خصم جديد. وهنا، يخرج قرد عملاق من بين الجمهور، يقفز إلى الحلبة ويبدأ بضرب الأرض بعنف، بينما يراقبه جمال دون رد فعل، مركزًا على كل حركاته.

وبسرعة البرق، يهجم القرد على جمال، يمسكه من رقبته، ويحاول كسرها! لكن غسان لا ينتظر، فيُطلق المطرقة، فتصيب القرد وتقتله في الحال! ثم يُطلق النسر، بينما يطلق جمال الدب والقوس والسهام، فتبدأ الجموع بالهرب، وفي لحظات، يصبح المكان خاليًا تمامًا.

يغادر الجمهور المجهول، فيستفقد غسان أخاه، ويقول له: كيف حالك يا أخي؟ لقد خفت عليك كثيرًا!

جمال: وأنا أيضًا، قبضته كادت أن تكسر عظام رقبتي. حسنًا فعلت بإطلاق المطرقة وقتله، كما أن النسر والدب ساعدانا كثيرًا.

غسان: نصيحة التنين الأم كانت في مكانها، حبنا لبعضنا أقوى من أي شيء آخر.

يعانق الأخوان بعضهما، ثم ينظران حولهما بحثًا عن مخرج، متعجبين من كيفية اختفاء هذه المخلوقات! أين ذهبوا؟ لا يوجد أي باب في المكان!

فجأة، يصرخ النسر، ينقض على جرذ صغير كان يريد رمي زجاجة مولوتوف على الأصدقاء، فيمسكه النسر برجله ويحمله إلى غسان. ينظر إليه غسان متسائلًا عن السبب، فيضغط النسر على الجرذ، فيُشير الجرذ إلى فتحة في آخر المكان.

يتوجه غسان نحوها، فيجد مخرجًا ضيقًا لكنهم يستطيعون المرور منه. ينادي أخيه ويدله عليه، ويطلبان من أصدقائهما العودة الى الدروع، استعدادًا للمرحلة التالية

(ينزل غسان أولًا، يتبعه جمال، ليجدا نفسيهما في ممر لصرف المياه المبتذلة، حيث الروائح الكريهة تملأ المكان. رغم ذلك، يواصلان التقدم زحفًا على أيديهما وركبتيهما، إلى أن يصلا إلى منفذ خارج المكان.

ينظر غسان إلى الأسفل، ليجد بركة ماء آسنة، فيقول لأخيه: لا يوجد غير هذا الطريق، ثم يقفز إلى البركة، ويقفز جمال خلفه، لكن داخل البركة، يصعب عليهما السباحة بسبب كثرة الأوساخ. وبعد صراع مع المياه القذرة، ينجحان في الوصول إلى سطح البركة، لكنهما لا يزالان غير قادرين على السباحة.

يبدأ غسان في البحث حول البركة عن شيء يمكن أن ينقذهما، فيلاحظ شجرة طويلة، فيُطلق المطرقة، فتنطلق بسرعة شديدة، وتصيب الشجرة، فتميل وتسقط فوق الأخوين.

يتسلقان الأغصان، ويسيران بينها حتى يخرجا من البركة، لكن رائحتهما النفاذة تكاد تجعلهما يتقيآن من شدتها! يركضان مسرعين إلى أعلى التل بحثًا عن ماء للاستحمام وإزالة الرائحة الكريهة.

عند وصولهما إلى قمة التل، يجدان نهرًا في الجهة الأخرى، فيركضان إليه ويرميان نفسيهما في مياهه، يغتسلان ويغسلان ثيابهما حتى يشعران بالنظافة الكاملة. بعد ذلك، يخرجان من الماء، ويستلقيان على الأرض من شدة التعب، فينامان فورًا.

لكن قبل أن ينام جمال، يطلق الدب ليحرسهما من أي خطر حتى يستيقظا.

غسان: أشعر بالتعب وكأن شاحنة صدمتني!

جمال: وأنا كذلك، لكنني أشعر وكأن قطار خبطني!

بعد ان استيقظا قررا ان يختارا اتجاهاً

جمال: ليس أمامنا إلا النسر!

غسان: وهو كذلك!

يطلق النسر، وبعد فترة وجيزة يُصدر النسر صيحة قوية، ثم يتجه نحو اتجاه معين، فيتبعه الأخوين والدب، إلى أن يصلوا إلى قصر فخم، تحيط به حديقة جميلة مليئة بالأشجار المثمرة.

يحاول جمال قطف إحدى الثمار، لكن الدب يطلق زمجرة تحذيرية، فيتوقف جمال عن القطف، ويواصلان المشي حتى وصلا إلى مدخل القصر الرئيسي.

يقف النسر على حافة المدخل، مما يعني أنه لا يوجد خطر، فيتقدمون نحو الباب، لكن الدب يسرع أمامهما، وعند وصوله إلى الباب، يفتحه بحذر حتى يُفتح بالكامل، دون أن يواجه أي خطر.

يؤدي الباب إلى ممر طويل، يفضي إلى باب القصر الأساسي. يتقدم الدب مجددًا، ويشير للأخوين بأن يتبعاه، فيفعلان ما طلبه منهما، ويمشيان خلفه، حتى يصلا إلى باب القصر.

يتقدم الدب ليفتح الباب، لكنه فجأة يتراجع إلى الوراء، فينظر إليه الأخوين باستغراب، وكأنهما يستفسران عن سبب تصرفه. لكن الدب لا يُصدر أي زمجرة أو علامة تدل على عدم ارتياحه.

يطلب منه جمال العودة إلى الدرع، فيعود الدب إلى الدرع، لكن جمال يطلق القوس والسهام ويحملهما بحذر ودفاع، وكذلك عاد النسر إلى درعه. تقدم الأخوين داخل القصر حتى وصلا إلى صالة كبيرة، لكنها كانت خالية من أي أثاث.

جمال: من يشاهد القصر من الخارج، يعتقد أنه مفروش بأجمل الأثاث، ويتوقع وجود أشهى الطعام والشراب، لكن ما وجدناه الآن لا يدل على أن هناك حياة في هذا القصر.

غسان: هل هذا الباب المغلق جزء من القصر، أم أنه يؤدي إلى الخارج؟

جمال: ولماذا تسأل؟

غسان: أخشى أن يكون مثل الأبواب التي صادفناها في منتصف الطريق، كل غرفة فيها شيء مختلف عن الأخرى.

جمال: لا عليك، فقط تأكد وافتحه.

تقدم غسان نحو الباب، وما إن أمسك قبضته حتى سُحب إلى الداخل. صرخ جمال: "غساااااان!" وحاول الإمساك بيد أخيه، وما إن وصل إصبعه إلى إصبع أخيه حتى سُحبا معًا من خلال الباب. فجأة، وجدا نفسيهما داخل غرفة حيث لم يستطيعا التوقف عن الضحك، فكل حركة كانت تسبب لهما موجة من الضحك المتواصل، وكل ضحكة أقوى من الأخرى، حتى شعرا بأنهما على وشك الإغماء.

حينها، وجد جمال بابًا فأمسك قبضته، فانسحب هو وأخوه إلى غرفة أخرى، لكن هذه المرة كان البكاء هو السمة الغالبة. كل ما يفعلانه يجعلهما يبكيان أكثر وأكثر، حتى أصبح الوضع لا يُطاق. وجد غسان قبضة باب آخر، وسُحب الأخوين إلى غرفة ثالثة، حيث كان كل شيء يتحرك ببطء شديد، ومن ثم انتقلا إلى غرفة أخرى حيث كانت الحركة فيها سريعة للغاية.

في الغرفة التالية، اكتشفا أنه لا توجد جاذبية، فباتا معلقين في سقف الغرفة غير قادرين النزول إلى الأرض. لم يجد غسان حلًّا سوى أن يطلق المطرقة، ففتحت كوة في أحد الجدران، فتشبثا ببعضهما حتى وصلا إلى الكوة وخرجا منها بشق الأنفس، ليسقطا على الأرض. ولحسن حظهما، لم يكن سقوطهما من ارتفاع عالٍ، بل كانا قادرين على تجنب السقوط الحاد، فاستقرا على أقدامهما.

نظرًا حولهما، فوجدا نفسيهما في بهو كبير يشبه البهو الذي دخلا منه في بداية القصر. سارا إلى منتصفه، فشاهدا كتابات على السقف، لكنهما لم يفهماها على الإطلاق.

جمال: هل يُعقل أننا وصلنا إلى نهاية المرحلة الثالثة؟

غسان: لا أعتقد، لأنه لا توجد رسوم أو تماثيل تشبهنا.

جمال: لكن لماذا توجد هذه الكتابات إذًا؟

غسان: هيا بنا لنمشي حتى نصل إلى ذلك الباب ونرى ما في الخارج.

جمال: لا يوجد لدينا خيار آخر.

تابعا السير حتى وصلا إلى الباب، وما إن خرجا حتى وجدا نفسيهما في حديقة جميلة، تمتلئ بالطيور المغردة.

وتزقزق الطيور، فيدخل الفرح والسرور إلى قلبيهما، مستمتعين بالأصوات الشجية، بعد كل العذاب الذي مرا به في هذه المرحلة. يجلسان في مكان جميل جدًا، ينساب فيه الجو الهادئ، ليستمتعا بما يسمعانه.

وفجأة، ومن دون أي إنذار، يظهر المخلوقان على هيئة جاموس، نفسهما اللذان كانا في حلبة المصارعة، ويقفان أمام الأخوين. يطير الفرح والسرور من رأسيهما، ويتأهبان لمعركة اعتقدا أنهما لن يعودا إليها. يضحك المخلوقان اللذان يشبهان الجاموس ويتحدثان مع الأخوين: مبروك! لقد أنهيتما المرحلة الثالثة بنجاح.

جمال: وكيف نعرف أنكم فعلاً تنهون المرحلة؟

يضحك المخلوقان مرة جديدة، ثم يلتفتان إلى الوراء، ويعودان برأسيهما إلى الأمام، فتغيب ملامح الجاموس عنهما، وتظهر ملامح الأخوين على وجهيهما.

الأخوين: كيف فعلتما ذلك؟!

المخلوقان: نحن من فريق الإدارة الذي يدير هذه المرحلة. أنتما الآن في نهاية المرحلة الثالثة، ولن تشاهدا هذا المكان مرة أخرى أبدًا. لقد حصلتما على درعين جديدين. ولكي تعرفا أنكما فعلاً أنهيتما المرحلة، ستحصلان على أساور لأختيكما، هدية منا.

 وستجدان هداياكما خلف هذا الحائط، الذي تسندان ظهركما عليه. لذلك، قفا واتجها إلى الخلف واحصلا على هداياكما. سلام منا إلى أخواتكما. أيضًا، ما فعلتماه مع عائلتكما هو علامة تُحسب لكما، فهيا انهضا واذهبا إلى منزلكما.

يقف الأخوان ويتجهان خلف الحائط، فيجدان الهدايا، ومعها كيس يحتوي على عشرة قطع ذهبية. يطل عليهما المخلوقان من خلف الحائط، ويطلبان منهما عدم إخبار أحد بأي شيء عن هذه المغامرة، وعليهما الخروج من الحائط الذي يقع خلفهما. يستديران فورًا، ويتوجهان نحو الحائط، وإذ بباب يفتح لهما، فيجتازانه ليجدا نفسيهما أمام عين الشرقية، وأصدقاؤهما يمشون على طريق العين صعودًا.

يتحول الدرعان إلى قشاط للبنطلون، حيث يحمل درع جمال رسمة حصان، ودرع غسان رسمة فرس. أما أساور أختيهما، فإحداها عليها زهرة الأقحوان وعليها نحلة، والأخرى عليها زهرة البابونج وعليها نحلة أيضًا. يعانق الأخوين بعضهما، ثم يلحقان برفاقهما ويعودان إلى الحارة الشرقية، ومنها إلى بيتهما.

نلتقي بالمرحلة الربعة - من مغامارت الشقيقان - من هنا





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا، بكم امل ان تجدوا ما يجعلكم تتابعون المدونة دائما،
مع محبتي واحترامي

قصة الملاك الحارس

  الملاك الحارس رواية بقلم غسان رزق العلي في عالمٍ يضجّ بالوجوه العابرة، وفي بيتٍ يظنّ أهله أنهم اكتفوا من الحياة، يصل شخصٌ بسيط، لا ي...

بحث هذه المدونة الإلكترونية