الأحد، 3 مايو 2026

المرحلة الرابعة

 


 


المرحلة الرابعة

عند وصولهما إلى البيت بعد انتهاء المرحلة الثالثة، يعطيان أخواتهما الأساور التي جلباها معهما، فتفرح الأختان كثيرًا وتشكران أخويهما. وحين يجلس الأخوين معًا، يتحدثان عن أن كل مرحلة أصعب من التي قبلها.

غسان: هل ستكون المرحلة الرابعة مليئة بالأخطار الجسدية؟

هذا السؤال كان يتردد في أذهانهما باستمرار، وكانا يتداولانه كلما سنحت لهما الفرصة للحديث.

كان الأخوين يتساءلان عن المرحلة القادمة، أين ستكون؟ متى ستبدأ؟ وما هي اللعبة التي ستنقلهما إلى المرحلة الرابعة؟ كان هذا التفكير يسيطر عليهما، حتى أصبحا مهووسين بها. وكلما لعبا مع أقرانهما، شعرا أنهما ربما سينتقلان إلى المرحلة التالية.

مرّت اثنتا عشرة يومًا منذ انتهاء المرحلة الثالثة. في إحدى الأمسيات، كان الأخوان في الحارة، حيث اجتمعت شبيبة الحارة تحت بيت "أبو ديب" لمشاهدة مسلسل "أبو سليم". في ذلك الوقت، كان بيت "أبو ديب" الوحيد في الحارة الذي يملك تلفزيونًا.

وقبل بداية المسلسل، اتفق الأولاد على لعب "المستخباية"، وهي لعبة يشارك فيها عدد غير محدد. تبدأ بأن يضع أحد الأولاد رأسه على ساعده كي لا يرى أين يذهب الآخرون للاختباء، ثم يبدأ بالعد إلى رقم محدد متفق عليه مسبقًا. بعد الانتهاء من العد، يبحث عن اللاعبين المختبئين، وحين يجد أحدهم، ينادي باسمه ويركض إلى النقطة التي بدأ العد منها، وتسمى "المحج". يكون من شاهده قد خسر وعليه أن يقف قرب "المحج". أما حين يعلم أحد المختبئين أن المفتش اقترب من أحدهم، يصرخ: "استخبا منيح! جاك الريح!"، وإذا تمكن المختبئ من الوصول إلى "المحج"، يضع يده عليه ويعد حتى عشرة، ويصبح آخر من يُكتشف هو التالي في التفتيش، حسب الاتفاق.

حين بدأت اللعبة، نزلا الأخوان إلى تحت بيت "أبو كمال"، حيث توجد أماكن عديدة للاختباء. وما إن وصلا إلى آخر الدرج حتى ظهرت الدوامة

فجأة، وسحبتهما إلى أرض واسعة مغطاة بالأعشاب الخضراء الجميلة، دون أشجار.

غسان: هذه أول مرة تبدأ مرحلة بأرض خضراء، أليس كذلك يا أخي؟

جمال: نعم، لكن لا يغرك الهدوء. فالمياه الهادئة غالبًا ما تكون الأخطر.

غسان: لماذا أنت متشائم منذ البداية؟

جمال: لدي شعور بأن هذه المرحلة ستكون أكثر خطورة من سابقاتها.

غسان: إذن هيا بنا ننطلق ونتكل على الله. هل تعتقد أنه يجب علينا أن نطلق الأحصنة؟

جمال: فكرة جيدة!

أطلقا الأحصنة، فظهرت مجهزة بسروجها، فامتطياها كما فعلا في المرة الأولى. سار الأخوان في بادئ الأمر ببطء، يتحدثان ويتوقعان ما الذي ينتظرهما في الطريق.

ثم لمحا شجرة بعيدة.

جمال: ما رأيك أن نتسابق إلى تلك الشجرة؟

غسان: طيب، وما هي هدية الفائز؟

جمال: الفائز ستكون له الكلمة الأولى في أول محطة من هذه المرحلة!

ينطلقان بسرعة كبيرة، كل واحد منهما يصيح وكأنه في حفلة صياح، لكنهما يلاحظان أن الشجرة تبدو بعيدة جدًا عنهما رغم سرعتهما. يحاولان الإسراع أكثر وأكثر، إلا أن الشجرة لا تبدو أقرب مهما تقدما.

غسان: علينا أن نتوقف يا أخي، فالشجرة بعيدة جدًا عنا.

جمال: أوافق معك.

ما إن توقفا حتى سمعا صراخًا قادمًا من خلف تلة على يمينهما. يدفعهما الفضول إلى معرفة ما يحدث هناك، فيذهبان نحو التلة. قبل أن يصلا إلى قمتها، يترجلان عن الأحصنة، ويتابعان المشي تاركين الأحصنة خلفهما. ينخفضان كي لا يشاهدهما أحد، ثم يبدآن الزحف على بطنيهما حتى يستطيعان رؤية ما يجري في تلك السهول الواسعة أمامهما.

يكتشفان مشهدًا مروعًا: جيشان يتقاتلان بالسيوف والرماح والسهام، والجثث تغطي الأرض، وأنين الجرحى يتردد في كل مكان.

جمال: ألم أقل لك يا غسان إنني أشعر بهول هذه المرحلة؟! انظر إلى هذه المشاهد، لم أشاهد مثلها سوى في أفلام "هرقل".

غسان: هل ترى ما أراه أنا؟

جمال: وما الذي تراه؟

غسان: أعتقد أن المعركة انتهت، لأن آخر رجل سقط، ومن بعده لم يصدر أي صوت... أنصت جيدًا.

جمال: صحيح، المعركة توقفت، لكن أنين الجرحى هو المسيطر الآن. هل علينا أن نتراجع، أم نتابع، أم ندخل لنساعدهم؟

غسان: نحن في موقف حرج جدًا، وعلينا اتخاذ قرار. سأكون صريحًا معك، أريدك أن تأخذ القرار وسأمضي معك فيه.

جمال: إذن لنتقدم، ونتفقد الجرحى، ومن نستطيع مساعدته سنساعده.

غسان: أنا إلى جانبك، لكن ماذا نفعل بالأحصنة؟ هل نعيدها إلى الدروع؟

جمال: أعتقد أن الأفضل أن نمضي بدونها، فلنعيدها إلى الدروع وننطلق لوحدنا.

يعيدان الأحصنة إلى الدروع، لكن جمال يطلق القوس والسهام احتياطًا، تحسبًا لأي خطر. ينطلقان للبحث عن أي جريح يمكن مساعدته، لكن مع تقدمهما في السهل المليء بالعسكر الملقين على الأرض، يدركان أن أنين الجرحى قد توقف. لم يسمعا أي صوت.

عند وصولهما إلى أول رجل، يجدانه ميتًا. وكلما واصلا البحث، لم يجدا سوى جثث هامدة. المشاهد كانت قاسية ومخيفة جدًا.

وفي أشد المشاهد رعبًا، اكتشفا أحد الرجال وقد استقر رمح في صدره، مشهد جعل الدماء تتجمد في عروقهما، وبيديه سيفان يخترقان جسدين لرجلين، وثلاثتهم واقفون، لكنهم موتى.

في تلك اللحظة، يسمع الأخوين أنينًا صادرًا من بين الجثث المتكدسة، فيهرعان نحو الصوت، ويبدآن بسحب الجثث واحدة تلو الأخرى، حتى يصلا إلى رجل مسن، ذو شعر أحمر وذقن طويلة بنفس اللون. يده اليمنى مبتورة، لكنها لا تزال ممسكة بمقبض السيف، والدم ينزف منها بغزارة.

على الفور، يمسك غسان بالساعد ويضغط عليه محاولًا وقف النزيف، بينما يقوم جمال بتمزيق قطع من ثياب أحد القتلى، ويستخدمها لربط الساعد المقطوع حتى يتوقف النزيف.

يحاولان سحب الرجل بعيدًا عن ساحة المعركة، لكنه ثقيل جدًا على طفلين في عمرهما. رغم ذلك، يبذلان جهدًا حتى يبعداه عن المكان ويضعاه على الأرض. يبحثان إن كان هناك أي جرح آخر، فيكتشفان جرحًا في ساقه، فيضمدانه بعناية.

يشعلان نارًا، ويحمّيان سيف أحد الجنود فوقها حتى يحمر كالجمر، ثم يكويان به الساعد المبتور. يصرخ الرجل من شدة الألم، ثم يفقد وعيه.

يتأكد الأخوين من جسده، فلا يجدان جروحًا أخرى غير اللذين عالجاهما، ثم يعودان إلى ساحة المعركة للتأكد إن كان هناك جرحى آخرون بحاجة إلى المساعدة، لكنهم لا يجدون سوى القتلى.

يعودان إلى الجريح، ويجلسان بجانبه حتى يستعيد وعيه. ما إن يفيق حتى يبدأ بالصراخ من الألم. يبتعدان عنه قليلًا حتى يهدأ، ثم يقتربان منه ويتحدثان إليه.

جمال: كيف حالك؟ هل تشعر بالألم؟ ومن أنت؟ ولماذا كنت في هذه المعركة الطاحنة؟

الرجل: أنا من ملوك الجن، وهذه المعركة كانت ثأرًا بين الجن. انتهى الجميع، ولم يبقَ غيري. أنتما، أيها الطفلان، أنقذتما حياتي التي كان يجب أن تنتهي مع موت رجالي. وها أنا الآن بلا يدي اليمنى، التي كنت أحمل بها السيف... كيف لي أن أعيش بعد هذا الذل؟

جمال: هل موتك هو كرامة لك؟

ملك الجن: نعم، يجب أن تتركاني أموت مع رجالي.

غسان: هل تخبرنا من هم رجالك؟

ملك الجن: كل من يرتدي ثيابًا تحمل علامة حمراء هم رجالي.

جمال: حسب قولك، كل من يحمل إشارة حمراء على ثيابه هو من رجالك، لكن هذا يعني أنك كنت تقاتل رجالك، لأن جميع الرجال هنا يحملون نفس العلامة!

ملك الجن: نعم، لقد اكتشفت أن هناك خيانة بين رجالي، ولذلك كانت الإبادة هي الحل الوحيد.

ثم ينظر إليهما ويقول ملك الجن: هل أستطيع أن أطلب منكما طلبًا؟

غسان: تفضل، اطلب ما تريد.

ملك الجن: أريد سيفي.

جمال: سيفك بقي حيث وجدناك، لكن هناك سيف هنا، استعملناه لكوي يدك به.

ملك الجن: ناولني إياه.

غسان: ولماذا تريد السيف وأنت بهذه الحالة؟ استرح حتى يتعافى جرحك، ونحن ننقلك إلى أي مكان تريد.

ملك الجن: أعطوني السيف، ولكم مني هدية ثمينة.

جمال: نجاتك هي هديتنا.

ملك الجن: أرجوكم، أعطوني السيف.

يمسك الأخوان بالسيف ويعطيانه للملك، الذي يمسكه بقوة من قبضته. يتمتم بكلمات غير مفهومة، وفجأة، وبسرعة البرق، يضرب رأسه بالسيف، فيقتل نفسه. يصرخ الأخوان من هول الفاجعة والمشهد المرعب، ويهربان من المكان، يبتعدان عنه، وهما يلعنانه ويشتمانه على ما قام به.

يبتعدان مسافة كافية، ثم يجلسان على الأرض، لا يعرفان ماذا يقولان. وفجأة، يشاهدان أمرًا غريبًا وغير متوقع: الجثث تبدأ بالاختفاء والتبخر بسرعة من أمامهما، مع أسلحتها، وخلال فترة وجيزة، يختفي كل شيء عن الأرض، حتى ملك الجن نفسه.

جمال: ألم أقل لك إن هذه المرحلة صعبة جدًا؟!

غسان: إذا كان هذا هو أولها، فكيف سيكون آخرها؟ علينا أن نواصل السير لنكتشف كيف ستنتهي هذه المرحلة.

جمال: لكن الملك وعدنا بأنه سيهدينا شيئًا إن أعطيناه السيف.

غسان: وماذا يمكن أن يعطينا، طالما تبخر هو وكل ما كان له؟

جمال: يجب أن نعود إلى المكان الذي كان فيه الملك.

يتوجهان إلى المكان الذي كان مستلقيًا فيه ملك الجن، ويبدآن بالبحث عن الهدية بين الأعشاب الخضراء. فجأة، يجدان زوجًا من الكلل، لونهما أصفر مثل طابة "البيغ بون". يلتقطهما جمال وينظر إليهما، فيشاهد صورته وصورة أخيه عليهما، فيعطي واحدة لغسان ويحتفظ بالأخرى لنفسه.

غسان: إن صورتك في الكلة التي معي!

جمال: وصورتك أيضًا في الكلة التي معي... يبدو أن هذه هي هدية ملك الجن، لكي نتمكن من رؤية بعضنا أينما كنا. علينا أن نحتفظ بهما في مكان آمن لنستخدمهما عند الحاجة.

يضع كل واحد منهما الكلة في جيبه، إذ لا يوجد مكان آخر غيره.

غسان: إلى أين نتجه الآن يا أخي؟ كما ترى، لا يوجد أي معلم يمكننا التوجه إليه، وهذه الأرض الخضراء، رغم أنها مريحة للنظر، إلا أنها تجعلني أشعر بحيرة كبيرة.

جمال: علينا أن نطلق النسر، وكذلك الأحصنة.

ينطلق النسر نحو الفضاء، وتقترب الجياد منهما، فيركبان عليها ويتبعان النسر الذي اتخذا مسار معين، واستعاد الأخوان حماسهما، وانطلقا بأقصى سرعة تستطيعها الأحصنة، حتى وصلا إلى أرض تغمرها المياه، مستنقع واسع. يتقدمان قليلاً داخله، وفجأة، يطلق النسر صيحة قوية، تنبههما إلى خطر محدق.

يتوقفان فورًا، ويعيد النسر صياحه، فيفهمان أنه عليهما مغادرة المستنقع بسرعة. يعودان إلى أرض جافة، ويقرران تغيير مسارهما، فيتجهان نحو ميمنة المستنقع، حتى يصلا إلى هضبة تكشف لهما السبب وراء تحذير النسر: المستنقع يعج بالتماسيح العملاقة.

يرسل غسان قبلة إلى النسر تعبيرًا عن الشكر، ويفعل جمال الشيء ذاته. يستمر السير طويلًا، حتى يشعرا بالعطش والجوع ينهشان جسديهما، فيما الأحصنة تبدو متعبة كذلك.

يترجلان عنها، ويسيران ممسكين بالرسن، يتحدثان عن العطش والجوع.

جمال: لماذا الأحصنة لا تشرب من المستنقع رغم أنها عطشى؟

غسان: في أحد الأفلام، شاهدت أن الأحصنة لا تشرب إلا من المياه الصالحة للشرب. كان راكب الحصان عطشانًا جدًا، لكنه اكتشف لاحقًا أن الهنود الحمر قد سمّموا النبع.

جمال: يعني علينا أن ننتظر حتى يحنّ علينا الحصان لنشرب؟!

غسان: إذا أردت أن تبقى على قيد الحياة، عليك أن تنتظر حنيته! يضحك.

جمال: لكن لماذا النسر لا يعطينا أي إشارة؟ هل أصابه "الهذيان" من شدة العطش؟

غسان: فعلاً، أنا في حيرة يا أخي، ولا أفهم لماذا يتركوننا هنا بلا أي إرشاد... حتى الليل لم يحل علينا، رغم أننا دخلنا إلى المرحلة بعد حلول الليل في الحارة. لاحظت هذا الأمر في جميع المراحل.

جمال: نحن في مرحلة خضراء تمامًا، ولا يوجد أشجار، ولا صخور، ولا مبانٍ. لدي فكرة! علينا تغيير اتجاهنا والابتعاد عن المستنقع، بحيث لا يتمكن أي تمساح من الوصول إلينا. لننام لأن التعب أرهقني، إضافة إلى العطش والجوع.

غسان: أنا معك، انطلق في أي اتجاه تريد.

يركب الأخوان الأحصنة مجددًا، ويسيران بعكس اتجاه المستنقع، مبتعدين عنه حتى يصلا إلى هضبة أخرى.

يستدعيان النسر والأحصنة ويطلبان منهم العودة إلى الدروع، ثم يطلق جمال الدب والقوس والنبال، ويخاطب الدب: نحن سننام، وعليك أن تحرسنا.

يخلدان إلى النوم، وحين يستيقظان، يجدان نفسيهما في غرفة مجهولة، وكل واحد منهما على تخت. يصرخان من هول المفاجأة!

جمال: من الذي أحضرنا إلى هنا؟!

ينظر حوله، يبحث عن الدب، لكنه لا يجده، بينما القوس والنبال لا يزالان بقربه.

جمال: يا غسان، من تعتقد فعل معنا هذا؟

غسان: والله يا أخي، لا أعلم شيئًا سوى أنني جائع وعطشان، ويجب أن نفتش عن شيء نأكله ونشربه.

يتجه نحو الباب ويفتحه، ليجد غرفة بها طاولة عليها إبريق من الذهب وكؤوس ذهبية. يقترب من الطاولة، يمسك بالإبريق ويهزه، فيجد بداخله ماء. ينادي أخيه جمال الذي يحضر مسرعًا.

جمال: هل وجدت ماء للشرب؟!

غسان: نعم، يوجد ماء في الإبريق الذهبي، لكني لا أجرؤ على شربه.

جمال: أحضر الحصان وسأجرب ما أخبرتني به عن الفيلم.

يضم كفيه إلى بعضهما، ثم يقول لغسان: "اسكب الماء في يديّ." وحين يسكب غسان الماء، يتقدم الحصان ويشرب منه. ويطمئن الأخوان، ويشربان حتى يرتويا، ثم يحضر غسان فرسه ويسقيها أيضًا.

يشعران بالراحة ليبدأ جمال بالتفكير.

جمال: لقد نسينا أمر الدب! أين هو؟

يذهب غسان إلى النوافذ، وينظر من كل نافذة، فيكتشف مكان الدب.

ويقول لأخيه: يا أخي، الدب محجوز في قفص في الباحة!

جمال: من الذي حجزه؟ ومن سمح له بذلك؟

يفتح بابًا آخر في الغرفة التي وجدا فيها الماء، وهنا تكون المفاجأة للأخوين. أمامهما طاولة طويلة جدًا، مملوءة بما لذّ وطاب من الطعام، والشراب، والفواكه، وحولها العديد من الكراسي.

يخرجان من الغرفة، وفجأة، يبدأ التصفيق. ينظران نحو مصدر التصفيق، ليجدا ملك الجن واقفًا على رأس حاشيته.

ملك الجن: لقد أنقذتما حياتي سابقاً، ولم أنسَ جميلكما. حين وجدتكما دورية من الجن نائمين، حاولت الاقتراب منكما، لكن الدب هجم عليها، فما كان منها إلا أن أسرت الدب وسجنته في قفص، وهو الآن في إحدى باحات القصر.

والآن، عليكما أن تأكلا معي، فقد حان وقت العشاء!

جمال: عشاء؟ وكيف تعرفون الليل من النهار؟

ملك الجن: أنتما الآن في عالمنا، وهو يختلف عن عالمكما. هنا، النهار طويل جدًا، لكننا نعرف أوقات الطعام، والنوم، والاستيقاظ. تفضلا الآن، واجلسا إلى يميني وشمالي، لأنكما ضيفاي.

غسان: هل هذه هي هديتنا التي وعدتنا بها؟

ملك الجن: لا، فقد حصلتما على هديتي حين عدتما إلى المكان الذي كنت فيه، قبل أن تنتهي حياتي السابقة. أما الآن، فأنا أكرمكما لأنكما أطفال شجعان. جلوسكما بالقرب مني هو تكريم عظيم لكما. فأهلاً وسهلاً بكما، تفضلا إلى الطعام.

جمال: عليك أن تبدأ أنت، فأنت الملك.

يصفق الملك تقديرًا لكلام جمال، ثم يقول: "رغم صغر سنك، فأنت مهذب وتعرف كيف تحترم الأكبر منك."

يتناول الملك قطعة لحم، ثم يبدأ الجميع بالأكل من بعده. بعد تردد قصير، يشارك الأخوان الطعام مع الملك وحاشيته، حتى يصيبهما التخمة بعد أن أنهيا الأكل، والشرب، والتحلية.

جمال: جلالة الملك، لدي طلب منك.

الملك: اطلب، وهو لك.

جمال: أريد أن تطلق سراح الدب وتسمح له بالدخول إلى هنا.

يطلب الملك من الجنود إطلاق سراح الدب، فيأتي بسرعة رهيبة أمام جمال، ويزمجر بقوة حين يعرف أن الأخوين بخير. يقف جمال، ويستقبله بالأحضان، ثم يلاعبه أمام الجميع.

بعد ذلك، يطلب جمال من الملك أن يسمح له بتوفير بعض الطعام للحيوانات والطير، فيمنح الملك طعامًا للدب والنسر وللحصانين.

ثم يطلب الأخوين حقيبتين تحملان على الكتف، ليضعا فيهما بعض الطعام والشراب. يحصلان على حقيبتين لكل واحد منهما واحدة، ويقضيان وقتًا قصيرًا في المملكة، وهما في سعادة وفرح، حتى يتذكرا أنهما في أجواء لعبة يجب أن تنتهي.

يستأذنان الملك للمغادرة، ويشكرانه على كل ما قدمه لهما. يودعهما الملك عند الباب الكبير للقلعة، ثم يمتطيان الحصانين وينطلقان لإنهاء المرحلة.

في الطريق، يدور حديث بين الأخوين:

غسان: كم تمنيت أن أبقى هنا، وأعيش معهم العمر كله، حيث الجميع في خدمتنا. وحين نكبر، نتزوج جنية، هل رأيت كم هنّ جميلات؟!

جمال: فكرت في الأمر مثلك، لكن كيف نعرف أن حياتهم جيدة؟ فقد رأينا بأعيننا كيف قاتلوا بعضهم البعض قبل أن نتعرف عليهم اليوم. أعتقد أن حياتهم مليئة بالتعب والقتل، والدليل وجودهم في قلاع وحصون. والله أعلم كم لديهم من المشاكل.

وأثناء سيرهما، يلاحظان أول شجرة تقف أمامهما مباشرة، فيتجهان نحوها، ليتأكدا مما إذا كانت حقيقية أم مجرد سراب.

عند وصولهما إليها، يجدانها شجرة عادية، فيقرران الجلوس تحتها والراحة بعد ركوب الخيل لفترة طويلة.

يطلبان من الأحصنة العودة إلى الدروع، وما إن يضع غسان يده على جذع الشجرة، حتى تبتلعه الشجرة ويختفي! يحدث نفس الشيء مع جمال، ويفترق الأخوان لأول مرة في هذه المرحلة.

غسان يجد نفسه في غرفة مظلمة تمامًا، بلا نوافذ أو أبواب، ولا يوجد أي مصدر للضوء. الظلام يفرض عليه التفكير: لماذا وضع في هذا المكان؟ ولماذا لا يوجد أي منفذ للخروج؟

يبدأ في التفتيش عن طريقة للهرب، لكن رغم كل محاولاته، لا يفلح بشيء.

جمال يجد نفسه داخل قفص حديدي، معلق في سقف بهو كبير، ولا يرى أي مخلوق في المكان.

الوضع يجعله يشعر بالغضب الشديد، فيبدأ بإدارة نفسه داخل القفص، محاولًا العثور على ثغرة للهروب، لكن دون جدوى.

يبدأ بالصراخ بحثًا عن أي شخص قد يساعده، لكن لا أحد يستجيب، يصرخ جمال بأعلى صوته، ينادي غسان، لكنه لا يسمع أي رد منه. يشعر بالإحباط، فيجلس على أرضية القفص وكأنه يعترف بهزيمته.

لكن بينما كان يجلس، يشعر بشيء في جيبه، فيتذكر الكلة الصفراء، فيخرجها وينظر إليها، لكنه لا يرى أخيه!

يبدأ بالصراخ داخل الكلة: "يا غسان، أين أنت؟ رد عليّ!"

وفي تلك اللحظة، يسمع غسان صوت أخيه يصدر من جيبه! يستغرب كيف يسمع صوت جمال من جيبه، ويبحث عن مصدر الصوت. يكتشف الكلة الصفراء، فيخرجها وينظر إليها، ليرى صورة أخيه داخلها.

جمال: أين أنت يا غسان؟ ولماذا كل شيء حولك مظلم؟

غسان: لا أعرف يا أخي، أنا في غرفة مغلقة تمامًا، لا يوجد بها أي منفذ، لذلك أنا وسط العتمة. وأين أنت؟

جمال: أنا داخل قفص حديدي، معلق في سقف بهو كبير، ولا يوجد أحد من حولي.

غسان: وماذا يجب أن نفعل برأيك؟

جمال: والله لا أعلم ماذا يمكننا أن نفعل… انتظر! لماذا لا تستخدم المطرقة يا أخي؟!

غسان: والله نسيتها تمامًا!

يطلق غسان المطرقة، ويطلب منها إحداث ثغرة في المكان. تبدأ المطرقة بضرب الجدران، لكنها لم تنجح في إحداث أي كسر. تنتقل إلى السقف، لكنها تفشل هناك أيضًا، فتتوجه إلى الأرض، وتبدأ بضربها بشدة.

تهتز الأرض تحت قدمي غسان، فيتراجع إلى أقصى مكان يمكنه الوقوف فيه، بعيدًا عن تأثير ضربات المطرقة. فجأة، تفتح ثغرة في أرض الغرفة!

جمال: يشعر وكأن زلزالًا يضرب المكان. يهتز سقف البهو، ويشعر أن القفص على وشك السقوط من شدة الاهتزازات.

من خلال الثغرة المفتوحة، يرى غسان أخاه في القفص، فيشكر الله على أنه بخير. وفي نفس اللحظة، يرى جمال أخاه غسان عبر الثغرة، فيحمد الله أنه بخير أيضًا.

لكن فجأة، يسقط القفص إلى الأرض، مُصدرًا صوتًا قويًا ورهيبًا، ومن شدة السقوط، يغمى على جمال!

 غسان: يغلق عينيه كي لا يرى مشهد سقوط القفص وفيه أخيه. وحين يسمع صوت الاصطدام الرهيب، يفتح عينيه، ويصرخ ويبكي خوفًا على أخيه جمال.

يعتقد أن السقطة القوية ربما ألحقت أذى كبيرًا بأخيه، إذ لم يتحرك بعد سقوط القفص.

في أوج غضبه، يطلب غسان من المطرقة أن تنزله إلى أخيه، فهو يحملها مسؤولية سقوط أخيه، ويخشى أن يكون قد فقده.

تتوقف المطرقة في الهواء وكأنها تقول له: "قف عليّ، وسأنزلك إلى أخيك."

يعلم غسان أنه لا يملك أي وسيلة أخرى، فيصعد إلى المطرقة، التي تهبط به إلى الأرض.

وفور وصوله إلى أرض البهو، يتوجه راكضًا نحو جمال، ليجده داخل قفص محطم، لكنه يتنفس، رغم أنه غائب عن الوعي.

يلاحظ وجود جرح في جبينه بسبب السقطة القوية، فيهزه ويصفعه على خده حتى يستعيد وعيه.

وحين يفيق جمال، يشكر الله، ويعانق أخاه بقوة، فقد كان يعتقد أنه فقده!

أما غسان، فيضحك بفرح حين يرى أخيه يعود إلى وعيه، ثم يبدأ بمسح الدماء عن وجه جمال ويضمد جرحه بقطعة قماش مزّقها من قميصه.

جمال: كيف وصلت إلى هنا يا أخي؟

غسان: أنزلتني المطرقة، ويوجد جرح في جبينك، بالتأكيد من سقوط القفص.

جمال: نعم، لقد شعرت أنني غبت عن الوعي بعد ارتطامي بالقفص. وأنت كيف دخلت إلى القفص؟

غسان: سقوط القفص وارتطامه بالأرض جعله يفتح تلقائيًا.

جمال: نشكر الله على ذلك، كنا سنبقى محبوسين فوق بعضنا البعض لو لم ينفتح! لكن، من فعل بنا هذا برأيك يا غسان؟

غسان: لا أعرف، كل ما حدث هو أنني لمست الشجرة، فسحبتني إلى داخلها، ومن بعدها وجدت نفسي في تلك الغرفة المغلقة.

جمال: وأنا كذلك، سحبتني الشجرة ووجدت نفسي في هذا القفص اللعين.

يمسك غسان يد أخيه، ويساعده على النهوض، لكن جمال يقف بصعوبة.

جمال: الآن أستطيع أن أقول إن قطارًا دهسني يا غسان، فأنا أشعر وكأن عظامي كلها متكسرة وتؤلمني من هذه السقطة!

يخرجان من القفص، يلتفت غسان يمينًا ويسارًا ليعرف إلى أين يتجهان.

غسان: هل تستطيع السير يا أخي، أم يجب أن نجلس ونستريح؟

جمال: أنا لا أستطيع التفكير حتى، فالألم يعصف بجسدي كله.

غسان: إذًا علينا أن نجلس، تستريح قليلًا، وبعدها نكمل طريقنا. وفي هذه الأثناء، نفكر فيما يجب أن نفعله.

بعد أن يستريحان لفترة قصيرة، يشعر جمال أنه قادر على المشي.

جمال: أعتقد أن نهاية هذا البهو من جهة الشمال.

غسان: إذًا، هيا بنا.

يسيران، وجمال متكئ على كتف أخيه غسان، يتبادلان الحديث، حتى يقطعان مسافة طويلة داخل البهو.

فجأة، تفتح أمامهما فتحة في أرض البهو، ويظهر منها درج حجري. يتبادلان النظرات، وكأن كل واحد منهما ينتظر أن يأخذ الآخر القرار.

يتغامزان بعينيهما وكأنهما يقولان: "ننزل، وليكن ما يكن!"

ينزلان الدرج بهدوء وثقة، رغم أن جمال يعاني من الألم. ومع ذلك، أصبح يمشي وكأنه لا يشعر بأي وجع.

لكن الدرج يبدو طويلًا جدًا، حتى يشعران أنه لا نهاية له.

وأخيرًا، يصلان إلى مصطبة، ويجدان أمامهما درجين، كل واحد يحتوي على حوالي عشرين درجة، وكل درج يصل إلى باب مجهول.

ولأنهما لا يعرفان أي درج يجب أن يصعدا، يتوقف جمال، ويقول مبتسمًا: "شكرا بكرا قل لي ربي عد للعشرة، فعد للعشرة!"

كان هذا ما يقوله جميع أقرانهما في الحارة عندما يواجهون موقفًا محيرًا، أو لا يعرفون أي طريق يسلكون، أو يختلفون على خيار ما. فوقع العد على جهة اليمين، فصعد الأخوان، وكلّهما ثقة بأنهما اختارا الخيار الأنسب لهما.

حين وصلا إلى الباب، وجداه يفضي إلى سطح، فقرّرا النزول مجددًا وصعود الدرج الثاني.

لكن عندما وصلا إلى الباب الآخر، وجداه يؤدي أيضًا إلى سطح مكشوف!

خرجا من الباب، لكن شدة النور حجبت عنهما الرؤية للحظات، فقد كانا وقتًا طويلًا في الظل، حيث الإضاءة كانت ضعيفة جدًا في الداخل.

حاولا النظر إلى ما حولهما، لكنهما لم يفلحا بذلك بسبب قوة الضوء الساطع، إلى أن مرّ بعض الوقت وعاد نظرهما إلى طبيعته في مواجهة النور.

حينها، استطاعا رؤية ما حولهما، ليكتشفا أنهما محاطان بجيش من الفرسان، يشهرون سيوفهم ورماحهم في وجههما!

جمال ينادي الجيش بغضب: من أنتم؟ ولماذا تشهرون سلاحكم علينا؟! نحن لم نفعل لكم أي شيء!

يتقدم نحوهما جندي مسلح.

 أنتم تعدّيتم على أرضنا، ولذلك قمنا بسجنكما. لقد تمكنتما من الفرار بطريقة ألحقت الضرر ببعض ممتلكاتنا.

غسان: نحن لم نعتدِ على أرضكم، ولم نخرب لكم أي شيء! لقد كنا نمرّ مسالمين، لكن بمجرد أن لمسنا الشجرة، وجدنا أنفسنا محبوسين! أنا في غرفة مظلمة، وأخي في قفص! صحيح أننا خربنا السجن الذي وضعتمونا فيه، لكن ذلك كان حقًا لنا، لأنكم سجنتمونا رغم أننا لم نسبب لكم أي أذى! كنا مجرد عابري سبيل، لذلك نطلب منكم إعادتنا إلى المكان الذي كنا فيه.

يغادر الجندي، ثم يعود بعد نقاش طويل بين أفراد الجيش. فجأة، يعلو صياح الجنود بصوت قوي.

يشعر الأخوين بأنهما على وشك الوقوع في معركة كبيرة، لذلك يستعدان لإطلاق كل ما لديهما من قوة عبر الدروع.

لكن قبل أن يتحركا، يصدح صوت جهوري في المكان، يقول: "الأخوان على حق، لم يفعلا شيئًا لنا، لذلك يجب أن نطلق سراحهما. هذا أمر من جلالة الملك!"

يصيح الجنود بصوت واحد، مردّدين كلمة لم يفهمها الأخوين، لكنها حملت في طيّاتها احترامًا للأمر الملكي.

يتفرق الجنود يمينًا ويسارًا، فيدرك الأخوين أنهما باتا قادرين على المرور دون أي خطر.

يمشيان بين الجنود، ورأساهما مرفوعان بفخر، وكأنهما ربحا معركة لم يخوضاها أصلاً، حتى وصلا إلى آخر جندي.

يتوقفان للحظة، ثم يديران جسديهما ويؤديان تحية تعظيم للجنود.

يردّ الجنود بضرب سيوفهم على دروعهم، فيستدير الأخوان مجددًا ويتوجهان نحو طريق ترابي خارج المبنى.

يواصلان السير على أرض تسلكها العربات والخيول، فهي خالية من أي أعشاب.

لكن جمال يشعر بألم شديد في جسده، فيطلب من أخيه أن يمتطيا الأحصنة، لأن المشي يؤلمه كثيرًا.

يطلقان الأحصنة، وينطلقان بها بسرعة عبر الطريق الموحشة، وهما يتمنيان أن تكون المرحلة قد اقتربت من نهايتها.

كانت سرعة الأحصنة عالية، لكن فجأة، يلفت نظر الأخوين وجود منازل على يمينهما وشمالهما. يتعجبان من ظهورها المفاجئ، دون أن يدريا كيف ومتى ظهرت.

يخففان من سرعتهما لكي يتحققا مما إذا كانت المنازل حقيقية أم مجرد وهم أو سراب. وبعد التأكد من واقعيتها، يتوجهان صوب المنازل مباشرة، ليستطلعا ما فيها، ويتحققا مما إذا كانت مأهولة بالبشر أم بالجان.

عند وصولهما إليها، يجدان أناسًا في الشوارع، ومحلات تجارية، والناس يتبادلون البيع والشراء. لكن الملفت للنظر أن أحدًا لم يهتم بوجودهما، وكأنهما غير مرئيين!

جمال: هل لاحظت أنهم غير مهتمين بوجودنا؟

غسان: نعم، لاحظت ذلك، وعلينا أن نكتشف السبب.

جمال: وكيف يجب أن نكتشف الحقيقة؟

غسان: لننزل عن الأحصنة ونقترب منهم أكثر.

ينزل الأخوين عن أحصنتهما، ويتوجهان إلى سبيل ماء، حيث يسقيان الأحصنة، ويشربان أيضًا.

جمال: إنها مياه حقيقية يا أخي، فالأحصنة شربت منها! علينا أن نجد مكانًا نأكل فيه الآن.

غسان: المكان المطلوب أمامنا، فلنذهب إليه.

يسيران حتى يصلا أمام مطعم، فيطلبان من الأحصنة العودة إلى الدروع، ثم يدخلان إلى المطعم. يختاران مكانًا فارغًا، ويجلسان، وينتظران أن يأتي أحد ليسألهما عما يريدان، لكن لا أحد يأتي إليهما.

جمال: هل نحن غير مرئيين لهم؟ لذلك لا يكترثون لوجودنا؟

غسان: علينا أن نجرب أخذ شيء، لنكتشف ما إذا كنا مرئيين لهم، أم أننا فقط نراهم دون أن يرونا.

يتوجه جمال إلى مكان الطعام، حيث يوجد خروف مشوي على الفحم. يلمس اللحم، فيجده ساخنًا جدًا، ثم ينظر حوله ليرى ما إذا كان أحدٌ يمنعه من أخذه، لكن لا أحد يتدخل.

لكن حين يهمّ بقطع قطعة من الخروف المشوي، يأتي شخص ويمر من خلاله!

يصاب جمال بالذعر الشديد، ويعود إلى أخيه دون أن يجلب أي شيء معه.

غسان: يا أخي، ليس من عادتك أن تفزع من هكذا مواقف!

جمال: ألم ترَ أنه مرّ من خلالي؟! لقد أرعبني هذا حتى الموت!

غسان: الآن عرفنا سبب تجاهلهم لنا... إنهم أشباح! نحن نراهم، لكنهم لا يروننا!

جمال: لكن اللحم ساخن، وقد لمسته بيدي، وهو حقيقي! سأعود لأجلب قطعة لنأكلها سويًا.

يعود جمال إلى الخروف المشوي، ويقطع جزءًا منه، ثم يأتي به إلى الطاولة التي يجلسان عليها.

يمسك غسان اللحم بيده ويتفحصه، فيجده فعلاً لحمًا ناضجًا وجاهزًا للأكل.

يأكل غسان قطعة منه، ويفعل جمال الشيء نفسه، حتى يلتهمان كل اللحم الموجود أمامهما.

ثم يعود جمال إلى الخروف المشوي، ويجلب قطعة أخرى، ويأكلانها حتى يشعرا بالشبع.

وبينما يهمّان بمغادرة المطعم، تصدح الموسيقى فجأة، وتظهر فرقة موسيقية ومغنية وراقصة، فيبدأ الحاضرون بالشرب والتصفيق والرقص.

يشعران بالفرح والسعادة الغامرة، في تلك اللحظة التي لم يكونا يحلمان بها أبدًا، فيشاركان بالتصفيق، وقد كانت الألحان جميلة ومؤثرة، بحيث تجعل السامع يرقص دون إرادة منه!

وهما في أوج استمتاعهما بالمشهد، تأتي الراقصة وتستلقي على ظهرها، واضعة رأسها على أرجل الأخوين، مما يشكل مفاجأة كبرى لهما!

لكنها تنطق فجأة بطلب غريب: "يجب أن ترحلا سريعًا من هنا!"

لم يستوعبا ما تعنيه، فتكرر طلبها بصوت أكثر إلحاحًا.

عندها، يهرب الأخوان سريعًا، يطلقان الأحصنة، ويغادران المدينة وكل ما فيها، متجهين إلى الجهة التي طلبت منهما الراقصة الذهاب إليها.

 ما إن يخرجا من المدينة، حتى يجدا أمامهما غابة كثيفة، فيقرران دخولها.

لكن فجأة، يسمعان أصواتًا غريبة، فيلتفتان إلى الخلف، ليجدا أن المدينة بدأت تتبخر تمامًا، وتختفي نهائيًا أمام أعينهما!

داخل الغابة، يدور حديث بين الأخوين:

غسان: هل تعتقد يا أخي أن ما أكلناه كان مجرد سراب أو وهم؟

جمال: والله يا أخي، لم أعد أفرق بين الصحيح والخطأ، ولا بين الحقيقة والسراب!

غسان: لكن لماذا جاءت الراقصة، وطلبت منا المغادرة بسرعة؟

جمال: ألم تلاحظ ما حدث للمدينة؟ أعتقد أن مديري اللعبة التي نحن فيها هم من أرسلوها لتنبيهنا!

غسان: كلام منطقي جدًا! من الجيد أنهم أرسلوها، فقد كنا سننسى أنفسنا هناك!

وبينما يسيران داخل الغابة، يتمتعان بمشاهدة الأشجار الكثيفة، التي غابت عنهما طوال هذه المرحلة، يظهر أمامهما بيت كبير، لا هو قصر فخم، ولا منزل صغير.

يشير جمال بيده دالًّا على المنزل: يا أخي، هل ترى هذا المنزل الكبير أمامنا؟

غسان: نعم، أراه بوضوح.

جمال: هل تعتقد أنه يجب أن ندخله؟

غسان: ولِمَ لا؟ فلندخل ونتعرّف إلى من بداخله!

جمال: كم أتمنى أن تكون هذه نهاية المرحلة!

غسان: وأنا أيضًا أتمنى ذلك من كل قلبي!

يدخلان إلى المنزل من بابه الكبير، ليجدا في داخله أثاثًا جميلًا جدًا، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الحيوانات المحنّطة، منها الكبير والصغير، والطيور على أنواعها.

في كل غرفة يدخلانها، يعثران على محنّطات أكثر وأكثر!

وحين يصلان إلى الصالون، يجدان فيه دبين، أحدهما أنثى والآخر ذكر، إضافة إلى الكثير من اللوحات الفنية والرسومات الجميلة المعلقة على الجدران.

كان هناك مجلس وحيد في الصالون، مقابل الدبين المحنّطين، فيجلسان عليه، وينظران إلى اللوحات.

جمال: إن اللوحات جميلة جدًا... لكن، أعتقد أنها تتحرك يا غسان!

غسان: معك حق، لقد لاحظت ذلك أيضًا! أعتقد أننا أصبحنا في آخر المرحلة!

جمال: لكن لم نجد شبيهنا بعد!

غسان: نعم، إنهما موجودان! انظر إلى الدبّين!

ينظر جمال إلى الدبّين ويقول: "فعلاً، هذه هي النهاية... إنهما يشبهاننا، لكنهما لم يتحدثا معنا!"

وفجأة، تبدأ اللوحات بإظهار كلمات: "مبروك لكما، لقد أنهيتما المرحلة الرابعة بامتياز! هذه آخر مرحلة قبل المرحلة النهائية، وهي مرحلة الكنز الكبير. لقد حصلتما على هديتكما: خاتم لكل واحد منكما، وكيس يحتوي على خمسة وعشرين قطعة ذهبية، بالإضافة إلى خواتم لأمكما وأخواتكما."

"ملاحظة: يجب أن لا تقولا لأحد أي شيء عن المغامرات أبدًا. أما الخواتم، فستعرفان قيمتها في المرحلة الأخيرة. الآن، قفا وتقدّما نحو الدبّين وخذا هداياكما، ثم عودا إلى المقعد واجلسا."

ينهض الأخوين، ويتقدمان نحو الدبّين، ليجدا الخواتم والأكياس بين أيديهما، فيأخذانها ويعودان إلى المقعد، ويجلسان من جديد.

لكن فجأة، ينقلب المقعد، ليجدا نفسيهما على درج الحارة الصغير، بين بيوت آل إلياس وبيت أبو ديب، وفي وقت المساء، تمامًا كما غادرا!

ينظران إلى بعضهما، يفرحان بشدة، فقد عادا إلى حياتهما الطبيعية.

يتوجهان نحو بيت أبو كمال، ليجدا اللاعبين لا يزالون يعدّون الأرقام المطلوبة.

يقولان لهم: "نحن نترك اللعبة، علينا أن نذهب إلى البيت."

ثم يغادران إلى بيتهما.

نلتقي بالمرحلة الخامسة والخيرة - من مغامرات الشقيقان - من هنا


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا، بكم امل ان تجدوا ما يجعلكم تتابعون المدونة دائما،
مع محبتي واحترامي

قصة الملاك الحارس

  الملاك الحارس رواية بقلم غسان رزق العلي في عالمٍ يضجّ بالوجوه العابرة، وفي بيتٍ يظنّ أهله أنهم اكتفوا من الحياة، يصل شخصٌ بسيط، لا ي...

بحث هذه المدونة الإلكترونية