الأربعاء، 18 مارس 2026

الجزء الثالث - وردة بائعة الورد

 

كم جميلة الصدفة حين تجد من كنت تبحث عنه وتجده في دربك 


الجزء الثالث - وردة بائعة الورد

قالت بمرح: "حسب الطلب!"

ضحك وقال: "إذن خذينا من دون فلسفتكِ يا أستاذة هيفا!"

سألت هيفا باستغراب: "ومن تكون الفتاة؟"

قال نديم ببساطة: "هذه وردة."

رفعت حاجبها وقالت بذهول: "وردة؟؟"

فتح نديم الباب وساعد وردة على الجلوس في المقعد الخلفي، ثم جلس في الأمام، وانطلقت هيفا نحو بيت العائلة.

عندما وصلوا، وجدوا والدتهم في استقبالهم، متسائلة عن سبب طلب نديم المساعدة من أخته.

وحين رأت الفتاة تمشي بعكازين، سألت بقلق: "من هذه الفتاة المسكينة؟ كيف ضربتها، وأنت لا تقود سيارة في المدينة؟ ولماذا أتيت بها إلى بيتنا؟"

أجابها نديم بلطف: "يا أمي، هذه وردة، التي حدثتكم عنها منذ عدة أشهر. دعينا ندخل إلى البيت، وبعدها اسألي على راحتكِ."

قالت الأم بحنان: "أهلًا وسهلًا، ادخلي يا ابنتي."

دخلوا المنزل، وقبل أن يصلوا إلى الصالون، أحضر نديم كرسيين بلاستيكيين ليجلس عليهما هو ووردة.

نظرت إليه أمه باستغراب وسألته: "لماذا الكرسي يا نديم؟"

أجابها مبتسمًا: "لأن ثيابنا مبللة بالماء يا أمي."

ثم نظر إلى أمه وأخته وقال: "أعتنيا بوردة حتى أخرج من الحمام."

داخل المنزل، بدأ الحديث بين الأم وابنتها والضيفة الصغيرة.

سألت أم سعد بحنان: "كم عمركِ يا وردة؟"

أجابت وردة بهدوء: "ثماني سنوات."

نظرت إليها سلمى وسألتها بقلق: "ما الذي أصاب ساقكِ كي تحتاجي إلى الجبيرة والعكازات؟"

سردت وردة قصتها من البداية إلى النهاية، مما جعل أم سعد تبكي تأثرًا، وأيضًا أثارت استغراب هيفا.

قالت أم سعد بحنان: "يا وردة، هل تسمحين لي بأن أحممكِ؟ الماء الساخن سيريحكِ."

نظرت إليها وردة باستغراب وسألت: "ماذا يعني ذلك؟"

ضحكت هيفا وقالت: "يعني يجب أن تستحمي وتغيري ملابسكِ المبللة. ستدخلين مع الماما إلى الحمام، وأنا سأذهب لأحضر لكِ ثيابًا نظيفة!"

نظرت وردة إلى سلمى وهي تشعر بالخجل وقالت: "أريدكما أنتما الاثنتين."

ضحكت هيفا وقالت بلطف: "يا وردة، سأذهب إلى محل الملابس وأشتري لكِ ثيابًا، لذلك اسمحي لأمي أن تحمّمكِ الآن، وسأكون قد عدت."

ابتسمت وردة بخجل وقالت: "شكرًا لكما، أشعر بحنانكما ودفء معاملتكما."

غادرت هيفا، ودخلت وردة مع سلمى إلى الحمام.

في هذا الوقت، خرج نديم من الحمام ولاحظ أن المنزل فارغ، باستثناء العكازين اللذين تركتهما وردة. نادى على أمه وأخته، لكنه لم يتلقَ أي جواب.

ذهب إلى حمام الضيوف ووجده مغلقًا، فقرع الباب، فأجابته أمه قائلة: "أنا أحمّم وردة."

ابتسم نديم وهو يشعر بالسعادة، فقد أدرك أن والدته راضية عمّا قام به.

عاد إلى الصالون، وبعد لحظات دخلت هيفا حاملة أكياسًا في يدها.

"أخي نديم، تعال وانظر ماذا جلبتُ لوردة من ثياب!"

نظر إليها باستغراب وسألها: "وكيف عرفتِ مقاسها؟"

ضحكت هيفا وقالت: "يا أخي، بنت بعمر الثماني سنوات، كل صاحب محل يعرف مقاسات هذه الأعمار! لقد جلبتُ عدة مقاسات كي أجرّب عليها ما يناسبها."

ثم أضافت بصوت منخفض: "لكن أمي قلقة من احتمال وجود قمل في رأسها، وهذا سيكون مزعجًا. لا تقل شيئًا لها، فقط دعنا نرى."

بعد لحظات، نادت أم سعد ابنتها هيفا، فذهبت بسرعة إلى الحمام.

"نعم يا أمي، أنا هنا!"

تابعت بفرح: "جلبتُ لها ثيابًا داخلية وخارجية، وكذلك منشفة كبيرة للحمام."

ناولتها لأمها كي تنشف وردة، ثم أضافت وهي تبتسم: "وأحضرت مناشف صغيرة لوجهها أيضًا!"

نظرت إليها أم سعد بابتسامة دافئة وقالت: "بارك الله فيكِ، يا هيفا، كم أنت سريعة!"

ضحكت هيفا وقالت بحماس: "يا أمي، لقد حلمتُ طوال عمري بأن يكون لديّ أخت، وها هي أمامي اليوم!"

نظرت إليها أم سعد وقالت بحذر: "تمهّلي يا هيفا، لم يمر وقت طويل على وجودها معنا كي تتعلقي بها."

أجابت هيفا بثقة: "المهم أنها الآن نظيفة تمامًا!"

ابتسمت والدتها وقالت بحنان: "نعم، إنها وردة حقيقية."

ضحكت هيفا وقالت بسعادة: "شكرًا لك يا رب!"

بعد انتهاء الحمام، عادوا جميعًا إلى الصالون، وحين شاهدها نديم، نظر إليها بإعجاب وقال: "يا الله، ما أجملكِ يا وردة! وما أجمل هذه الثياب عليكِ!"

ثم تابع مستغربًا: "لكن شعرك الأشقر كان يزيدكِ جمالًا… لماذا قصصتيه؟"

تنهدت وردة وقالت بصوت هادئ: "حين طردني ذاك الرجل من بيت جدتي، وأصبحتُ أنام في الشوارع والأزقة، حاول بعض الأولاد التنمر عليّ. لذلك، قصّت لي إحدى صديقاتي شعري كي أبدو كصبي وليس كبنت، وهكذا كان."

هزّت هيفا رأسها بأسف وقالت: "فعلاً، كان شعركِ الطويل أفضل من القصير… لذا يجب أن تتركيه يطول من جديد! في صورتكِ مع نديم، كنتِ جميلة جدًا، وخصوصًا عندما وضعتِ إصبعكِ على أنفك!"

نظر إليها نديم وسألها بلطف: "كيف تشعرين الآن، يا وردة؟ ولا تنسي أن تتناولي دواءكِ."

قالت هيفا مستغربة: "وأين دواؤها؟"

أجاب نديم وهو يشعر بالذنب: "آسف، لقد نسيت أن أجلبه من الصيدلية… هل يمكنكِ النزول وإحضاره لها؟"

ضحكت هيفا وقالت: "تكرم عينك وعين وردة!"

ذهبت بسرعة إلى الصيدلية وعادت ومعها الدواء.

قالت والدتهم مبتسمة: "هيفا، أنتِ سريعة جدًا اليوم!"

أجابت هيفا: "يجب أن تتناول الدواء ثلاث مرات يوميًا، ولكن يجب أن تأكل قبله… لذا علينا تناول الطعام ثم تأخذ الدواء. ما رأيكِ يا وردة؟"

سألت وردة بحماس: "وما هو الطعام؟"

ضحكت هيفا وقالت بمكر: "ما يخطر على بالكِ تحصلين عليه!"

نظرت وردة إليها وقالت بحماس: "حتى لو كان بيتزا؟"

ضحكت أم سعد وقالت: "هل تحبين البيتزا؟"

أومأت وردة برأسها وقالت: "نعم، أحبها كثيرًا، لكنني لا أستطيع دفع ثمنها."

هزّت هيفا رأسها وقالت: "ومن طلب منكِ أن تدفعي ثمنها؟ أنتِ مدعوة على حسابنا جميعًا!"

أخذت هاتفها واتصلت، طالبة بيتزا كبيرة لهم جميعًا.

التفتت ام سعد إلى وردة وقالت بابتسامة دافئة: "يا وردة، اليوم أنتِ ضيفتنا، وستنامين مع هيفا في غرفتها، فقد حلمت دائمًا بأن يكون لديّها أخت تلعب معها، فهيا وحيدة بين أخوين!"

نظرت إليها وردة وقالت بخجل: "شكرًا لكِ بماذا تحبين ان اناديكي"

أجابت أم سعد بحنان:"ناديني 'طنت'."

نظرت وردة إليها بحيرة وقالت: "أنا أعرف أن هذه الكلمة تُقال في الشارع لمن يكون… مخنثًا."

ضحكت سلمى وقالت: "لا يا وردة! 'طنت' بالفرنسية تعني خالتي بالعربية!"

في المساء، يصل أبو سعد إلى منزله ويتفاجأ بوجود طفلة فيه، فيسأل باندهاش: "من تكون؟"

فتجيبه أم سعد قائلة: "إنها وردة، الطفلة التي تحدث عنها نديم منذ ثلاثة أشهر".

فيسأل الوالد مستفسرًا: "وماذا حدث لها حتى أصبحت تستخدم العكاز؟"

فتجيبه أم سعد: "لقد تعثرت بخطوة ناقصة وأصابها الألم في رجلها منذ أن التقت بنديم، وقد قصّت عليه القصة كاملة".

يتوجه أبو سعد نحو وردة، فيحييها ويسلّم عليها، ثم يقبّل رأسها قائلاً: "أهلًا وسهلًا بضيفتنا الصغيرة، اسمك يعكس جمالك بالفعل، فأنت وردة بكل معنى الكلمة".

وحين يحين وقت النوم، تذهب وردة مع هيفا إلى غرفتها، ويجري بينهما الحوار التالي.

وردة: "أين سأنام؟" هيفا: "ستنامين على هذا السرير، وأنا على ذاك".

تصعد وردة إلى سريرها بمساعدة هيفا، فتجلس عليه دون أن تنام، بل تبدأ بالنظر في جميع أرجاء الغرفة، وكأنها تحاول حفظ تفاصيلها أو التأمل بها كي تكتب عنها قصيدة.

تسألها هيفا مبتسمة: "هل أعجبتك الغرفة يا وردتي؟"

وردة: "إنه اسم جديد، لم يسبق أن ناداني به أحد من قبل، وردتي!"

هيفا: "آمل أن تتقبليه مني كلقب خاص".

نظرت وردة إلى هيفا وقالت بفضول: "على فكرة، أنتم عائلة جميلة! هل لديكِ إخوة غير نديم؟"

ابتسمت هيفا وأجابت: "نعم، لدي أخي الكبير سعد، وهو ضابط في قوى الأمن برتبة نقيب. لم يأتِ اليوم لأنه مضطر للنوم في مكان عمله. أما نديم، فهو أخصائي اجتماعي وعلم نفس، وأنا أصغر أفراد العائلة وأعمل محامية متدرجة. أبي وأمي كلاهما يعملان كمدرّسين في المدرسة."

أومأت وردة برأسها وقالت بتردد: "يعني يمكن لأخيكِ سعد أن يجبر ذلك الرجل الذي طردني من بيت جدتي على إعطائي أغراضي الشخصية؟"

أجابت هيفا بثقة: "بالطبع يستطيع، وإذا كان البيت ملكًا لجدتكِ، فهو يعود لكِ رغمًا عنه!"

تنهدت وردة وقالت بحزن: "لم يعطني حتى أوراقي الثبوتية."

وضعت هيفا يدها على كتفها وقالت بلطف: "ولا يهمكِ، أنا وأخوتي سنساعدك حتى تستعيدي حقكِ."

نظرت إليها وردة وقالت بحدة: "كم أتمنى أن يضعه أخوكِ في السجن!"

ابتسمت هيفا وقالت بجدية: "إذا كان يستحق السجن، فسيسجن. أعدكِ بذلك. ولكن الآن نامي، وغدًا نكمل الحديث."

اقتربت منها وقبلتها على جبينها، ثم غطّتها جيدًا.

نظرت إليها وردة بحنان وقالت: "كم جميلة هذه القبلة منكِ يا هيفا… وكم هو دافئ هذا الفراش! لي شهر تقريبًا أنام في الشوارع وأشعر بالبرد طوال الوقت."

تنهدت هيفا وقالت بحزن: "يا قلبي عليكِ… كم مررتِ بصعاب! أتمنى أن يكون هذا آخر يوم لكِ في الشارع."

أغلقت وردة عينيها وقالت: "آمل ذلك…"

ثم تابعت بابتسامة صغيرة: "ماذا تريدين أن أناديكِ؟ طنت؟"

ضحكت هيفا وقالت: "لا، ناديني فقط 'هيفا'… لأنني سأعتبركِ أختي الصغيرة."

ابتسمت وردة، ثم غمرها دفء المكان، وغرقت في نوم عميق.

في الصباح…

استيقظ الجميع مبكرًا، على غير عادتهم. كان أبو سعد يسأل عن وردة، وأم سعد كذلك، ونديم ينظر حوله.

قال نديم مبتسمًا: "ألا تلاحظون أننا جميعًا نسأل عن وردة؟"

ضحكت هيفا وقالت: "تركتُها نائمة، ولم أرد إزعاجها."

بدأ الحديث يدور حول وردة، وكيف يجب مساعدتها، وأهمية استعادة أوراقها الثبوتية في أسرع وقت، كي تتمكن من التنقل بحرية.

فجأة، أطلت وردة من باب الغرفة وقالت ببرود: "إذا كنتُ أزعجكم، يمكنني العودة إلى الشارع… فأنا معتادة عليه، ولم أعتد على هذا الدفء بعد."

شهقت هيفا وقالت بقلق: "لماذا تقولين هذا الكلام يا وردة؟! البارحة كنا نقول إنه يجب أن نساعدكِ كي تصلي إلى حقكِ!"

نظرت وردة إلى أم سعد، فأدركت الأخيرة أن وردة سمعت الكلمة الأخيرة فقط.

نهضت أم سعد بسرعة، واقتربت من وردة، ثم غمرتها بحنان وقبّلت رأسها وقالت: "لقد سمعتِ الكلمة الأخيرة فقط، ولم تسمعي الحديث كله! كنا نتحدث عنكِ وكيف يجب أن نساعدكِ لاسترجاع حقوقكِ من أي شخص في هذه الدنيا."

وضعت يدها على كتفي وردة، واقتادتها إلى الكنبة القريبة لتجلس بجوارهم.

قال أبو سعد بهدوء: "يا وردة، أنتِ صغيرة ولا تدركين الأمور كما يجب، بل كما علمكِ إياها الشارع. وكما أن لكل شيء قواعده، فإن للحديث أيضًا قواعد للرد والتفاعل. نحن أحببناكِ، ونريد لكِ الخير."

نظر إليها بلطف وأكمل: "نحن نحب القانون ونعرفه جيدًا. ابني ضابط في قوى الأمن، وابنتي محامية، ونديم يعمل كأخصائي اجتماعي، وهو اختصاصه أن يساعدكِ وفق القانون. أما أنا وزوجتي، فنحن معلّمان، نُدرّس طلابًا من عمركِ وأكبر. لذلك، لا تأخذي كلمة واحدة وتربطيها بكامل الحديث، فهذا قد يضيّع المعنى الحقيقي."

قاطعت وردة أبو سعد قائلة: "وكيف يمكنني مساعدتكم وأنا صغيرة، ولا أعرف ما تريدون مني؟"

ابتسم أبو سعد وقال بلطف: "سأسامحكِ لأنكِ قاطعتني، فأنتِ محقة. وأرجو ألا يتكرر ذلك. دوركِ هو أن تعطينا عنوان البيت الذي كنتِ تسكنينه، أما ابني فسوف يتابع الموضوع مع زملائه لاسترجاع أوراقكِ الثبوتية، والتأكد إن كان البيت ملكًا لجدتكِ أم لا. وبالنسبة للمسألة القانونية، فستكون هيفا المسؤولة عنها."

ثم تابع: "هل لديكِ أي أسئلة الآن؟"

تنهدت وردة وقالت بخجل: "أنا آسفة لأنني قاطعتكِ… وبالنسبة لمكان سكني، كنتُ أعيش في باب الرمل، بالقرب من جامع المعلق، في أحد الأزقة هناك. إذا أردت، يمكنني أن آخذك إليه الآن."

ضحك أبو سعد وقال لها بلطف: "يا وردة، أنا لا أستطيع أن أفعل شيئًا الآن، بل علينا انتظار سعد، فهو يعرف كيف يجب أن يتصرف."

ثم تابع مبتسمًا: "وأنتِ يجب أن تتعلمي كيف تتعاملين مع الآخرين لتحصلي على حقكِ."

صفقت هيفا لوالدها وقالت ممازحة: "أبي، لقد بدوتَ كمحامٍ في المحكمة!"

ضحكت أم سعد وقالت: "فعلاً، أحسستُ أنني في محكمة! لكنه كلام في محله، شكرًا لك يا أبو سعد على هذه المطالعة."

في تلك اللحظة، رنّ هاتف نديم، فأجاب وقال: "صباح الخير، أخي سعد… لدينا ضيفة اسمها وردة، ونريد منك خدمة. طيب، نحن ننتظر وصولك."

سأله والده بابتسامة: "من غير العادة أن تكون مكالمتك مع سعد قصيرة!"

أجاب نديم وهو يشعر ببعض القلق: "لقد أخبرني أنه لم يجد أي شيء جديد عن وردة حتى الآن وأخبرني أنه قادم إلى البيت".

انتقل إلى الجزء الرابع - من هنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا، بكم امل ان تجدوا ما يجعلكم تتابعون المدونة دائما،
مع محبتي واحترامي

قصة الملاك الحارس

  الملاك الحارس رواية بقلم غسان رزق العلي في عالمٍ يضجّ بالوجوه العابرة، وفي بيتٍ يظنّ أهله أنهم اكتفوا من الحياة، يصل شخصٌ بسيط، لا ي...

بحث هذه المدونة الإلكترونية