وردة هي فتاة حقيقية كانت تتجول بشوارع طرابلس وكانت تبيع الورد
الجزء الأول - وردة بائعة الورد
وردة... بائعة الورد
في
قلب طرابلس، المدينة الغنية بالتاريخ والحكايات، تعيش وردة، فتاةٌ لم تتجاوز
الثامنة من عمرها. كانت تتواجد في ساحة التل منذ الصباح وحتى آخر النهار، تظهر
وتختفي دون أن يعرف أحد من أين جاءت أو إلى أين تذهب. كانت هناك في كل الفصول،
مُجبرةً على بيع الورود، وساحة التل هي ميدانها. تلك الساحة التي تعجّ بالحياة
والمارّة، تُطلّ وردة بجمالها الأخّاذ، كأنّها وردةٌ نضِرةٌ تفتّحت بين الورود
التي تبيعها.
عينان
كحبات اللؤلؤ، وشعر كخيوط الشمس الذهبية عند الغروب، وابتسامة تُضيء المكان
بسحرها، مع مسحةٍ من الحزن لا أحد يدري سببها. كانت معروفة لكثيرين ممن يرتادون
ساحة التل، البعض يمازحها، والبعض الآخر يدافع عنها ويحميها من أي تطاول عليها،
حتى أصبح الناس يتجنبون التدخل في شؤونها.
في
أحد الأيام، توقّف شاب يُدعى نديم في ساحة التل لإجراء مكالمة هاتفية. تقدّمت وردة
إليه وقالت: "اشترِ مني هذه الوردة وقدمها لمن تحب."
نظر
إليها نديم بلا اكتراث، ثم واصل حديثه عبر الهاتف، لكنّها ألحت عليه أن يأخذ
الوردة. أثناء ذلك، انحنى رأسه قليلاً فالتطم بالوردة، حينها انتبه لها، وأوقف
مكالمته.
لفت
نظره جمالها، وأول ما خطر على باله كان محاولة التقاط صورة لها، لكنها رفضت وهربت
من أمامه. ناداها قائلاً: "سأشتري منكِ كل الورود إذا سمحتِ
لي بالتقاط صورة واحدة لك."
نظرت
إليه باستغراب وقالت: "وماذا تفيدك صورتي؟"
أجابها
مبتسمًا: "كي أعطيها لمن أحب، كما طلبتِ مني."
ارتبكت
وردة قليلاً، ثم قالت: "هل تمزح معي أم تريد أن
تقهرني؟"
ابتسم
نديم وقال:"لا أسمح لنفسي بأن أكون سببًا في قهرك، بل أريد مساعدتك إذا سمحتِ
لي. كل الورود التي تحملينها اليوم، سأشتريها مقابل صورة واحدة منك، ماذا
تقولين؟"
ردّت
وردة بسرعة:"أقبل، لكن عليك أن تدفع ثمن الورود أولًا."
ضحك
نديم وقال: "ألا تثقين بي؟"
هزّت
وردة رأسها بحزم وقالت: "لا، لقد مررت بمثل هذا الموقف من
قبل، وقد ضحك عليّ ذلك الشاب."
سألها
نديم عن اسمها، فأجابت:"وردة."
ابتسم
وقال: "وردة تبيع الورد؟"
قالت
بفخر: "نعم."
استمر
الحوار بينهما، وسألها عن حياتها، عن سبب عدم ذهابها إلى المدرسة، فأخبرته أن
جدتها تُجبرها على بيع الورود بدلًا من الدراسة.
سألها
عن والديها، لكنها لم تكن تعرف عنهما شيئًا، إذ ترفض جدّتها الحديث عنهما. حينها،
قرّر نديم أن يتحدث إلى جدتها، لكنه فوجئ برفض وردة إرشاده إلى بيتها.
"ليس
مسموحًا لي أن أعطي أحدًا عنواني."
سألها: "هل جدتك هي السبب أم أن هناك
سببًا آخر؟"
أجابت
بحزن: "هناك أسباب كثيرة... والأهم أنني لا أثق بك."
استغرب
نديم طريقة كلامها، وسألها إن كانت قد تعرضت للخداع من قبل، فأجابت: "أجل، لقد كذبوا عليّ، وحاولوا
أخذي إلى الميتم، فهربت منهم."
طلب
منها نديم ماذا يفعل ليكسب ثقتها، قالت ادفع ثمن الورود أولا، فكان
لها ما ارادت
رفع
نديم هاتفه، استعدادًا لالتقاط صورة، لكن وردة وضعت إصبعها على أنفها فجأة وقالت
بابتسامة ماكرة: "صورني هكذا."
نظر
إليها باستغراب وسألها: "لماذا وضعتِ إصبعك على
أنفك؟"
لم
تجبه، بل أصرت على أن تكون اللقطة على هذا النحو. ابتسم نديم، التقط الصورة، ثم
أخذ الورود ودفع ثمنها.
قبل
أن تهمّ بالمغادرة، نظرت إليه وقالت: "عليك أن تبقى هنا، ولا تراقبني
أين أذهب."
أومأ
نديم برأسه ثم وضع إصبعه على أنفه كما فعلت هي، وقال بابتسامة: "هذا وعدي لك، لن أتحرك قبل عشر
دقائق."
ضحكت
وردة وقالت: "باي، مع أني لم أسألك عن اسمك."
أجابها
بابتسامة دافئة: "اسمي نديم."
ابتسمت
وردة وقالت: "اسم جميل جدًا."
ثم
استدارت واتجهت صوب شارع المصارف، واختفت عن نظره.
وقف
نديم بعد عشر دقائق كما وعدها، لكنه شعر بإحباط مما جرى معه. كان هناك شيء غريب في
لقائه بها، إحساس لم يستطع تفسيره.
عاد
إلى بيته وهو يحمل باقة من الورود الحمراء. حين دخل، استقبلته أخته هيفا وهي تلمح
الورود بين يديه: "لمن هذا الورد يا أخي؟"
ابتسم
وقال: "لمن أحب."
رفعت
حاجبها وقالت بفضول: "ومن هي التي تحبها؟"
ضحك
وقال: "أمي وأختي المدللة."
شهقت
هيفا بفرح وقالت: "يا إلهي، شكرًا لك أخي! أنا أحب الورود جدًا، هل ستأتي لي بها
دائمًا؟"
ابتسم
نديم وقال: "يا هيفا، هذه الورود قصتها قصة، بعد الغداء سأخبرك بها."
لاحظت
هيفا أن نديم يبدو غير مرتاح، فسألته بقلق: "من الواضح أنك لست على ما يرام
اليوم، ما بك؟"
تنهد
وقال: "نعم، أين أمي؟"
ضحكت
هيفا وقالت: "أين يمكن أن تكون الماما في هذا الوقت؟ بالطبع في
المطبخ!"
دخل
نديم إلى المطبخ، وما إن رأته والدته حتى لاحظت تغير حاله: "ما بك يا نديم؟ هل حدث شيء في
العمل؟"
هزّ
رأسه وقال: "لا يا أمي، ليس العمل، بل ساحة التل… بعد الغداء سأخبركما بما
جرى."
ذهب
ليستحم، وعندما انتهى كان الطعام قد أصبح جاهزًا. جلسوا جميعًا على المائدة، لكن
والدته وأخته لاحظتا شروده وعدم تركيزه على الطعام.
كانت
أمه تراقبه بقلق، فهو ليس نديم الذي يعرفانه، عادةً كان كثير الحديث، يملأ المكان
بأسئلته وتعليقاته، أما اليوم فكان مختلفًا.
قالت
والدته بنبرة مستغربة: "غريب أمرك يا بني، لم نعهدك تأكل
بصمت، كنا نضجر من كثرة كلامك!"
نظر
إليها وقال بجدية: "اليوم في ساحة التل، تقدمت مني فتاة وقالت: ‘اشترِ وردة مني
وأهْدها لمن تحب’. حين حاولتُ تصويرها، هربت، لكنها قبلت في النهاية بعدما وعدتها
بشراء كل الورود."
قاطعت
هيفا بحماس: "هل أحببتها يا أخي؟"
أجابها
بصوت هادئ: "نعم، لقد دخلت إلى أعماق قلبي."
اتسعت
عينا والدته بذهول: "لقد أحببت فتاة من الشارع؟ أمعقول هذا؟"
نظر
إليها نديم وقال: "جمالها أخّاذ، وعيناها تسحران من ينظر إليهما، وكلامها له وقع
خاص."
سألت
والدته بقلق: "وما اسمها؟"
ندبم:
"وردة… تبيع الورد."
شهقت
هيفا وقالت بدهشة: "وكم عمرها؟"
نديم:
"ثماني سنوات."
شهقت
هيفا مجددًا وقالت بمرح: "ماذا! لقد وقعت بغرام فتاة عمرها
ثماني سنوات؟"
ضحك
نديم وقال: "نعم، لقد سحرتني نظراتها وخفة ظلها."
ضحكت
هيفا وضربته على رأسه برفق وقالت: "أكيد أنك جُننت يا نديم!"
قهقه
نديم وقال: "نعم، لقد وقعت في حب وردة من أول نظرة."
لكن
والدته لم تجد الأمر مضحكًا، بل بدت غير مرتاحة وقالت بحدة: "يا نديم، اصحَ! إنها طفلة يا
بني!"
ابتسم
نديم بحزن وقال: "أنا أعلم أنها طفلة، وهذا ما جعلني أفكر… كيف يمكن لطفلة بهذا
الجمال والسحر أن تُرمى في الشارع؟ أليس المفترض أن تكون في المدرسة؟"
هزّت
والدته رأسها وقالت: "أهلها هم الذين يفرضون عليها ذلك."
أجابها
نديم بهدوء: "ليس أهلها، بل جدتها… لأنها لا تعرف شيئًا عن والديها."
تنهدت
هيفا وقالت بدهشة: "يا إلهي، لقد استطعت جمع كل هذه المعلومات عنها بجلسة
واحدة؟"
أجابها
نديم مبتسمًا:"لو أنها قبلت لذهبت معها إلى جدتها وأقنعتها بأن تدخلها إلى
المدرسة، لكنها رفضت الفكرة تمامًا، ولم تسمح لي بمعرفة مكان سكنها."
هزّت
هيفا رأسها وقالت: "أكيد أن أهلها يعلمونها كيف تتجنب مثل هذه الطلبات."
لكن
والدته ضربت على الطاولة وقالت بحدة: "لا أريد سماع أي شيء آخر عن هذه
الفتاة!"
نظر
إليها نديم باستغراب وقال: "لماذا تتحدثين بهذه الطريقة يا
أمي؟"
لكنها
لم تجبه، بل جمعت الصحون عن الطاولة وهي عابسة.
نظر
نديم إلى أخته وقال: "يا أمي، ألم تعجبك قصة وردة؟"
أجابت
امه بجدية: "بالطبع لم تعجبني، كيف لي أن تعجبني وأنت مغرم بها وهي
طفلة؟"
ابتسم
نديم وقال بهدوء: "أنا معجب بجمالها وسحر عينيها، لا أريدها أن تبقى في الشارع،
ليس لأن تكون لي زوجة!"
أخرج
نديم هاتفه وقال بابتسامة: "سأريكم صورتها."
نظروا
إليها، فتأملت هيفا الصورة وقالت بإعجاب: "فعلاً، إنها جميلة."
لكن والدته كان لها رأي اخر بأنها مثل كل بنات
الناس.
في
المساء، اجتمعت العائلة حول المائدة. فجأة، قالت هيفا بابتسامة ماكرة: "لدي خبر للجميع… لدينا مغرم في
البيت!"
ضحك
والدها سمير وسألها: "ومن هو هذا المغروم؟"
أجابت
وهي تشير إلى نديم: "إنه نديم!"
قهقه
أخوه سعد، النقيب في الأمن الداخلي، وقال بمزاح: "مبروك يا نديم!"
لكن
والدتهم سلمى لم تكن سعيدة بهذا الحديث، فقطّبت حاجبيها وقالت بحزم: "يا هيفا، ألم أقل لك ألا تفتحي
هذه القصة أمامي؟"
تدخل
والدهم مستغربًا: "خير، لماذا انزعجتِ يا سلمى؟"
تنهدت
سلمى وقالت: "نديم عصبني ظهرًا عندما أخبرني عن الفتاة. كان يتحدث وكأنه ميت
بحبها، وإذ بها طفلة عمرها ثماني سنوات!"
ضحك
والدهم وقال بسخرية لطيفة: "مغرم بطفلة يا نديم؟ وكيف وقعت
في حبها؟"
هزّ
نديم رأسه وقال بجدية: "يا أبي، لا غرام ولا من يحزنون!
القصة ببساطة أنني كنت في ساحة التل، فاقتربت مني طفلة وقدّمت لي وردة حمراء،
وقالت لي: ‘قدمها لمن تحب.’ وعندما نظرت إلى وجهها، سحرتني بجمالها… ثم أخبرهم
القصة كما حدثت."
بعد
لحظات من الصمت، قال سعد بنبرة جادة: "بائعات الورود في الشوارع
وراءهنّ شبكة كبيرة من الناس. هؤلاء يوفرون لهنّ الورود للبيع، ويجلبونهن صباحًا
ويأخذونهن ليلاً، وكل طفل لديه أكثر من قصة يرويها لمن يسأله، كي يحرك مشاعره
ويدفعه للشراء."
قاطعه
نديم قائلاً بثقة: "لكن هذه الفتاة، يا أخي، ليست منهن!"
نظر
إليه سعد بتمعن وقال: "ومن قال لك ذلك؟"
أجاب
نديم بثقة: "هي من قالت لي ذلك بنفسها. أخبرتني أن جدتها عاجزة عن العمل،
لذلك تبيع الورد لإطعامها وشراء الدواء لها، وأنها لا تعرف والديها."
هزّ
سعد رأسه وقال: "حسب معرفتي بهذه الحالات، غالبًا تكون القصة غير صحيحة. على أي
حال، إذا أردت، يمكنني التحري عنها."
قال
نديم بحماس: "اسمها وردة، وتبيع الورد منذ ثلاث سنوات في ساحة التل."
سجل
سعد المعلومات على دفتره الخاص وقال لنديم: "حين أحصل على أي معلومة،
سأخبرك."
لكن
والدتهم سلمى نظرت إليهما وقالت بحزم: "يعني اتفقت مع أخيك ضدي؟"
ضحك
سعد وقال: "لماذا تقولين ذلك يا أمي؟ أنا لا أقف ضد أحد، أنا فقط أقدم
خدمة من ضمن وظيفتي الأمنية."
لكن
سلمى تنهدت وقالت بقلق: "أنا لست مرتاحة لهذه
القصة."
ابتسم
نديم وقال ليخفف من التوتر: "يبدو أنكِ أخذتِ القصة على محمل
الجد يا أمي! أنا لست مغرمًا بها، بل فقط أردت مساعدتها. وإذا تمكنت من ذلك، فلن
أتهرب. ولا تنسي أن هذا من صميم عملي الاجتماعي والنفسي أيضًا."
تدخلت
هيفا وقالت ممازحة: "يا أخي، أنت أخطأت في طريقة كلامك وقت الغداء، لو انتبهت
لكلماتك حينها، لما وقع هذا الخلاف بينك وبين أمي!"
نهض
نديم واتجه نحو والدته وقبّل رأسها بلطف وقال: "أعتذر يا أمي، وأسأل الله أن
يوفقني في عملي."
ابتسمت
سلمى أخيرًا وقالت: "قبلت اعتذارك، وفقك الله يا بني."
قال
والده بنبرة حكيمة: "يجب أن ننتبه لبعض تصرفاتنا، فقد تكون غير مريحة لمن
حولنا."
هزّ
نديم رأسه موافقًا وقال: "معك حق يا أبي."
عاد
الهدوء إلى المنزل، وانتهت السهرة بأجواء دافئة.
في
اليوم التالي ...
ذهب
نديم إلى ساحة التل، لكنه لم يجد وردة. سأل عنها بعض الأشخاص، لكن دون جدوى.
مرّ
بالساحة عدة مرات خلال النهار، ولم يعثر عليها، مما جعله يشعر بالحزن. عاد إلى
بيته بحالة غير مستقرة، وعندما سألته هيفا عن وردة، قال بصوت خافت: "لم أشاهدها اليوم، أعتقد أنها
غيرت مكانها."
مرّ
اليوم الثاني، ولم يجدها، ثم الثالث أيضًا. أدرك حينها أنها غادرت المكان بعد أن
التقط لها الصورة.
في
الجانب الآخر…
عادت
وردة إلى بيتها مبتهجة، فقد باعت كل الورود ولم تضطر للبقاء حتى الليل. ما إن
دخلت، حتى نادتها جدتها جميلة: "يا وردة، على غير عادتك عدتِ باكرًا
اليوم!"
أجابتها
بابتسامة: "لقد بعت كل ما عندي من ورد."
رفعت
جميلة حاجبها وقالت باستغراب: "وكيف بعتِهم في يوم عادي جدًا،
ليس يوم سبت أو أحد؟"
تنهدت
وردة وقالت: "شاب يدعى نديم، لقد اشترى مني كل الورود ، شرط قبولي ان يصورني
صورة."
نظرت
إليها جدتها بقلق وقالت: "قبلتِ أن تتصوري كي تبيعي
الورود؟"
أومأت
وردة برأسها وقالت: "نعم، قبلت."
وبعد
لحظة صمت، قالت بصوت حزين: "على سيرة نديم، لقد سألني عن
أهلي، وأخبرته أنني لا أعرفهم. لماذا لا تخبريني أي شيء عنهم، يا ستي؟"
تنهدت
جميلة وقالت ببطء: "لأنني فعلاً لا أعرف عنهما أي شيء. كل ما أعرفه أن والدتكِ
أرسلتكِ من بيروت إلى هنا وكان عمركِ ثلاث سنوات. وأنا لستُ جدتكِ، بل جدة
أبيكِ."
شهقت
وردة وقالت بذهول:"ماذا؟!"
انتقل إلى الجزء الثاني - من هنا

احلى بائعة ورد
ردحذفتسلم
حذف