حكاية الأم تبقى في الفكر والذاكرة
الجزء الثاني من حكاية - حكتلي أمي
لكن الرجل
الكهل بدأ يساوره شيء من الشك تجاه هذا الرجل الغامض، فسأله: ما اسمك؟
أجاب رجل
المغارة بهدوء: اسمي رجل المغارة.
قال الكهل
مستغربًا: رجل المغارة؟ هل هذا اسم شخص؟ إنه لقب أكثر مما هو اسم! ومن أطلق عليك هذا
الاسم؟
ردّ الرجل:
الناس الذين يعرفونني، لأنني لا أعرف اسمي الحقيقي، ولا هم أيضًا.
حين علم
الرجل الكهل أن هذا الرجل يُدعى "رجل المغارة"، وأنه لا يعرف اسمه الحقيقي،
تساءل في نفسه: لماذا يُدعى هكذا؟ لا بد أن هناك قصة وراء هذا اللقب، ويجب أن يعرفها.
فنظر إليه
وسأله: لماذا تعيش هنا وحدك؟ ألا يوجد لديك أهل وعائلة؟ أين هم؟ ومن أين أتيت؟
لكن رجل
المغارة لم يجبه بشيء. كرر الرجل الكهل سؤاله عدة مرات، دون أن يحصل على أي ردّ.
وبعد فترة
من التفكير، نادى الرجل الكهل رجل المغارة باسمٍ ما، لكنه لم يرد عليه، بل نظر إلى
الخارج، وكأنه يتأكد من قدوم أحدٍ إلى المغارة.
لاحظ الرجل
الكهل أنه اهتز عند سماع الاسم، وهنا خطرت له فكرة: يجب أن يخبره قصة ذلك الفتى الذي
ضاع منذ سنوات عديدة!
بدأ يروي
له عن أمٍ تبكي ابنها ليل نهار، حتى فقدت بصرها من شدّة الحزن، وعن أخٍ أصبح تعيسًا،
لا يعمل ولا ينتج شيئًا، وأمه العمياء لا تستطيع تدبير أمورها وحدها.
أثارت
هذه القصة فضول رجل المغارة، فاستفسر أكثر عن ذلك الرجل الذي لا يقوم بأي عمل ليساعد
أمه، وقال بحسرة: لو كانت هذه المرأة أمي، لجعلتها مثل الأميرات! كيف يرضى ابنها بتركها
بهذه الحال؟ يا ليتني كنت عند هذه الأم.
هنا تذكّر
الرجل الكهل أن الفتى الذي ضاع كان يحمل علامة فارقة على ظهره، على شكل حبة توت.
فقال لرجل
المغارة: ذلك الفتى لديه علامة على ظهره، وهي على شكل حبة توت.
وضع رجل
المغارة يده على ظهره، متلمّسًا تلك الحبة التي لم يرها من قبل، لكنها كانت مألوفة
لديه، إذ كان يشعر بها أثناء الاستحمام.
فقال للرجل
الكهل: مثل هذه؟
ثم رفع
ثوبه وتقدّم نحوه ليُظهرها له.
هزّ الرجل
الكهل رأسه موافقًا، دون أن يتفوّه بكلمة.
فتكرّر
السؤال من رجل المغارة، ولكن هذه المرة، لم يستطع الرجل الكهل أن يتمالك نفسه، فغمره
بشدة، وهو يصيح: أنت هو! أنت هو!
ومن شدّة
فرحته، حمله ورفعه عاليًا، لكن خانته قواه، فسقطا معًا على الأرض.
وعلى إثر
هذه الوقعة، غاب رجل المغارة عن الوعي.
ركع الرجل
الكهل على ركبتيه، وبدأ يصرخ متوسلًا: لا، لا، لا تفعلها الآن! أرجوك!
ثم غمر
رأس رجل المغارة بين يديه، وانهمرت الدموع من عينيه، فسقطت دمعة على وجهه.
استفاق
رجل المغارة، ونظر إلى الرجل ليجده يحتضنه، والدموع لا تزال تنهمر من عينيه.
مدّ يده
إلى وجهه، ومسح دموعه، قائلاً له بصوت مطمئن: لا تخف، أنا بخير… فقط بعض الألم في رأسي،
وسيروق قريبًا.
جلس رجل
المغارة، وأسند ظهره إلى الحائط، وبدأ يفرك رأسه، قائلاً: هذا الألم يعود من فترة لأخرى،
ولا أعلم السبب.
نظر الرجل
الكهل إلى رأسه، فإذا به يرى جرحًا قد اندمل منذ سنوات، كان نتيجة اصطدامه بغصن شجرة
في تلك الليلة التي ضاع فيها. كانت تلك الإصابة سبب فقدانه لذاكرته.
لكن، وعلى
إثر سقوطه مجددًا، بدأت الذكريات تعود إليه، شيئًا فشيئًا، بمساعدة الرجل الكهل، حتى
تذكّر كل شيء تقريبًا عن الحادثة.
وهنا،
انهمرت دموعه بغزارة، حتى خارت قواه، ونام في حضن الرجل الكهل.
فما كان
من الأخير سوى أن وضع رأسه على مخدة، ثم نام بجانبه حتى الصباح.
استيقظ
الرجلان على أصوات قادمة نحو المغارة، وحين استطلعا الأمر، تبيّن لهما أنهم بعض الناس
العابرين، يقصدون النبع للشرب، كما أنهم يعرفون كرم وطيبة رجل المغارة.
استقبلهم
أجمل استقبال، ووزّع عليهم ما لديه من الحليب، والجبن، والعسل، فغادروا وهم ممتنّون
لما قدّمه لهم من كرمٍ وطيبة.
وبعدها،
عاد رجل المغارة إلى الرجل الكهل، يسأله عن أمه وأخيه، وقد بات لا يقوى على البقاء
لحظة أخرى بعيدًا عن أمه.
لكن الرجل
الكهل قال له بحكمة: اصبر… لقد كنت غائبًا لسنوات طويلة، ولا يجوز أن تظهر أمامها فجأة.
يجب أن نهيّئ الأجواء، كما ينبغي تأمين أحد يعتني بالخراف.
ثم أردف:
سأذهب إلى الضيعة، وأرتّب الأمور كما يجب، ثم أرسل لك أحدًا ليحلّ مكانك، إلى حين رجوعك.
اتفقا
على ذلك، وذهب الرجل الكهل إلى قريته، واجتمع بكبار القرية، وشرح لهم كيف أن الصدفة
جمعته بالفتى الذي ضاع، وصار يُعرف باسم "رجل المغارة".
وطلب من
الجميع أن يساعدوا في وصول الغائب إلى أهله، دون أن تعرف أمه أو أخوه بذلك مسبقًا.
وأرسل
كبار الضيعة مجموعة من شبابها ليحرسوا الخراف، ويحضّروا رجل المغارة للعودة إلى الضيعة
لمقابلة والدته.
وعندما
وصلت المجموعة إليه، تعرّف عليهم، وعلّمهم كيف يتعاملون مع القطيع، وما يجب عليهم فعله
في غيابه.
بقي من
لزم بقاؤه هناك، بينما رافق البعض رجل المغارة إلى الضيعة.
كان في
استقبالهم بعض أهالي الضيعة، الذين لم يصدّقوا قصة الرجل الكهل إلا بعد أن رأوا الرجل
بأعينهم.
وبعد السلام
والكلام، أخذوه إلى والدته، التي لم تكن تغادر بيتها لأنها عمياء.
دخل إلى
البيت وألقى التحية، فردّت عليه السلام، ثم سألته: ماذا تريد يا رجل؟
قال لها
بصوت متردد: أريد أن أشرب ماء.
فردّت
عليه: تكرم عينك.
ثم قامت
تتلمّس طريقها إلى الخابية، وجلبت كأس ماء وقدّمته له.
أمسك بيدها،
وشدّ عليها قليلًا.
وهنا،
شعرت الأم بشعور غريب يسري في جسدها من جرّاء تلك اللمسة، لكنه كان شعورًا مفرحًا في
الوقت ذاته.
وما إن
أخذ الكأس منها، حتى سحبت يدها، وبدأت تلمسها وتشمّها، محاولةً التعرّف على صاحب هذه
اليد.
في تلك
اللحظة، كانت الدموع تترقرق في عيني رجل المغارة.
شرب الكأس،
وقال بصوت مخنوق: شكرًا يا أم…
لكن صوته
انقطع قبل أن يكمل الكلمة، فزاد شعور الأم بالحيرة تجاه هذا الرجل الغريب في بيتها.
شعرت أن
هناك شيئًا بداخلها يقول: هذا الشخص قريب…
فسألته:
من أين أنت؟
لكنه لم
يتمكن من الردّ. حاول الكلام، لكنه عجز عنه.
فاقتربت
منه الأم، وطلبت أن تمسك يديه مرة أخرى. فمدّهما إليها، ولما أمسكتهما، أحسّت برعشتهما،
مما زاد من شكوكها نحوه. رفعت يدها إلى وجهه، ولمسته، فشعرت بالدموع على خديه.
سألته
بدهشة: لماذا تبكي؟
لكنه لم
يردّ.
أعادت
السؤال مرة أخرى، ولم يجب بشيء. عندها قالت له، وصوتها يعلو من فرط الحيرة والمشاعر
المختلطة: أنت لست غريبًا… قلبي يقول إنك قريب مني! من أنت؟
هنا، تدخل
الرجل الكهل، الذي كان حاضرًا لكنه ظلّ صامتًا طوال الوقت، وقال: هذا الرجل يحمل علامة
على ظهره، هل تعرفين من له هذه العلامة؟
ارتعشت
الأم بشدة، وسألت بلهفة: ما شكل العلامة؟
فقال لها
الكهل: إنها مثل حبة التوت.
طلبت منه
أن تلمس العلامة.
فخلع قميصه،
وأمسك بيدها، ووضعها على ظهره.
وضعت يدها
فورًا في المكان الذي تعرفه جيدًا، وما إن لمست العلامة، حتى صرخت بصوت متهدّج: يا
ربي! يا ربي! ابني عاد لي بعد غياب كل هذه السنين!
بدأت الأم
تزغرد وتضحك، ثم نادت ابنها الكبير بفرح غامر: لقد عاد أخوك! لقد عاد أخوك!
كانت تصرخ
شاكرة لله، وتقول: أشكرك يا إلهي! لقد رجع ابني الضائع!
وهنا،
توقف الزمن للحظة عند الجميع، فظلوا في حالة ذهول من شدّة المفاجأة.
غمرت ابنها
بشوق، وهو كذلك، وكان البكاء سيّد الموقف لفترة من الزمن.
ثم تدخّل
الرجل الكهل، وطيّب خاطرهما، وأتى بالأخ الكبير، فكان الحديث ممتلئًا بالمشاعر والذكريات،
حتى بزغ الفجر، والأم لا تزال ممسكة بابنها، وكأنها تخشى أن تفقده مرة أخرى.
وبعد انقضاء
عدة أيام، كان من الواجب العودة إلى الحياة الطبيعية.
طلب الابن
الصغير من أخيه الأكبر أن يساعده في بناء زريبة للأغنام، وقد كان المال متوفرًا من
جراء العمل طوال السنين الماضية.
نُقلت
الأغنام من المغارة إلى الزريبة الجديدة، وكان الجميع يعملون بجدٍّ ونشاط، فيما كانت
الأم تصلي إلى الله، طالبةً منه أن يديم هذه النعمة عليها وعلى أولادها، وعلى كل السامعين.
آمين.
وعندما
انتهت أمي من سرد القصة، كنا جميعًا نجهش بالبكاء، والدموع تنهمر من عيوننا، وتنساب
على خدودنا.
واللافت
أن ابن خالتي، أبو كزلك، كان يسحب نظاراته ويمسح عينيه وخديه بشكل مضحك ومبكٍ في آنٍ
واحد.
لقد كانت
هذه القصة، وسردها، سببًا في أن ننام نومًا عميقًا حتى الصباح.
ومنذ ذلك
اليوم، وأنا متأثر جدًا بها، إلى أن جاء يوم وكتبتها، على أمل أن تجد طريقها إلى النشر
يومًا ما…
الخاتمة
الأدبية
وهكذا،
لم تكن القصة مجرد حكاية قبل النوم، بل كانت مرآة لذاكرة أم، وصوتًا لحنين ابن، ونداءً
للعودة من الغياب.
في لحظة
واحدة، اجتمعت الدموع والضحكات، وتحوّل رجل المغارة إلى ابنٍ عاد إلى حضن أمه، بعد
أن ظن الجميع أنه ضاع إلى الأبد.
وفي تلك
الزاوية من البيت، حيث جلست أمي على كرسي القش، كانت الحكاية تنسج خيوطها في قلوبنا،
وتعلّمنا أن الحب لا يضيع، وأن الأم تعرف ابنها حتى لو غيّبته السنوات.
حكتلي
أمي… فكتبت، لأتذكّر، ولأجعل من الحكاية إرثًا لا يُنسى.
طرابلس
– 9/6/2008
غسان رزق
العلي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا، بكم امل ان تجدوا ما يجعلكم تتابعون المدونة دائما،
مع محبتي واحترامي