الجمعة، 27 مارس 2026

الجزء الخامس - وردة بائعة الورد

 

حين تصبح الضيفة عنصر سعادة في حياة عائلة جديدة لوردة



الجزء الخامس - وردة بائعة الورد

بعد هذه الكلمات المؤثرة، غادر سعد، تاركًا الجميع في حالة من التأثر والسعادة.

نظر نديم إلى وردة وقال مبتسمًا: "هل استمتعتِ بما قاله حضرة الضابط يا وردة؟ هل انتبهتِ إلى مدى تأثيركِ علينا جميعًا؟"

ثم تابع بلطف: "لقد أعدتِ الحياة إلى بيتنا، فأنتِ مصدر الفرح، ولستِ إزعاجًا كما تظنين."

ابتسمت وردة بخجل وقالت بصوت خافت: "لا أعرف ماذا أقول بعد كل هذا الذي قلتموه… أشكركم من كل قلبي. أعيش حياة جديدة بينكم، ولم أجد مثل هذا الحنان والمحبة والدفء في حياتي كما وجدته هنا."

وقت الغداء... ثم القيلولة

بعد الغداء، ذهب الجميع لأخذ قسط من الراحة. توجهت هيفا ووردة إلى غرفتهما، واستلقيا للنوم.

لكن بعد فترة قصيرة، استيقظت هيفا على صوت وردة تبكي بصوت خافت، ثم بدأت تهمهم وهي تكز على أسنانها وتحرك يديها ورجليها بقلق.

نهضت هيفا بسرعة، احتضنتها وقالت بقلق:

"وردة! وردة؟ ما بكِ؟ اسم الله حولك، ما الذي يحدث؟"

لكن وردة كانت غير واعية، فتوجهت هيفا إلى الباب، ونادت والدتها.

هرعت أم سعد إلى الغرفة، وفي تلك اللحظة دخل نديم وأبو سعد أيضًا للاطمئنان على وردة، التي كانت تبكي وترتجف، تضرب بيديها وتكز على أسنانها، وكأنها تعيش كابوسًا مرعبًا.

حاول الجميع تهدئتها، حتى استفاقت أخيرًا، ووجدت نفسها بين ذراعي هيفا.

نظرت حولها بارتباك، ثم انفجرت في البكاء وكأنها كانت في عالم آخر.

مسحت هيفا وجهها المتصبب بالعرق، ثم احتضنتها مجددًا وقالت لها بلطف: "لا تخافي يا وردة، أنا معكِ، وأهلي معكِ أيضًا."

أمسكت وردة بيد هيفا بقوة وقالت بصوت مرتجف: "لا تتركيني يا هيفا…"

ابتسمت هيفا بحنان وقالت: "تقبّري قلبي، يا وردة! أنتِ أختي، ولن أترككِ أبدًا."

ثم نظرت إليها وسألتها بلطف: "أخبريني، لماذا كنتِ تبكين؟"

تنهدت وردة، ثم بدأت تسرد حلمها المرعب: "كنا نلعب جميعًا، وإذ بشخص غريب يأتي نحوي. شكله أرعبني، حاول أن يأخذني، وكان يكرر: 'أنتِ لي! أنتِ لي!'"

تابعت، وعيناها لا تزالان دامعتين: "هربتُ منه، لكنه ركض خلفي، وكنتِ تضحكين لأنكِ رأيتِه يطاردني."

ثم أضافت بصوت مرتجف: "وفجأة، ظهرت امرأة، كانت عيونها مثل عيونه المخيفة، تقدمت نحوي لتأخذني أيضًا، فهربت منها. حاول نديم أن يمسكني لكنه لم يستطع، حتى تمكنتِ أنتِ من الإمساك بي…"

تنهدت وردة وقالت بحزن: "ثم استيقظت، ووجدت نفسي بين يديكِ، يا هيفا."

مسحت هيفا دموعها وقالت بلطف: "ليس على قلبكِ شر يا وردة، نحن جميعًا بقربكِ، فلا تخافي. هذا مجرد كابوس."

ثم تابعت بحنان: "أعتقد أنكِ تفكرين كثيرًا في حالتكِ، وتخافين من فقداننا، لكن لا تقلقي، نحن هنا من أجلكِ."

اقتربت منها أم سعد وقالت بلطف: "يجب أن تتعودي على وجودنا في حياتكِ، يا وردة. أنتِ تعيشين صراعًا داخليًا بين محبتنا لكِ، وبين خوفكِ من فقدان هذا الأمان."

بعد الحادثة العابرة التي عاشتها وردة، ركّز الجميع على الترفيه عنها طوال فترة بعد الظهر، حتى حان وقت النوم.

قبل أن تستلقي، سألتها هيفا بلطف: "هل تشعرين بأي ضيق يا وردة قبل أن ننام؟"

ابتسمت وردة وقالت: "لا، أنا على ما يرام يا هيفا."

قالت هيفا وهي تغطيها بلطف: "إذاً إلى النوم، يا وردتي."

 

في الصباح…

استيقظ أهل البيت على صوت ضحك وردة وهيفا، فقد كانت هيفا تحاول أن تعلم وردة كيف تفرشي أسنانها.

لكن وردة كانت تراوغ، غير معتادة على الأمر، وكلما حاولت أن تضع الفرشاة في فمها، كانت تضحك وكأنها تشعر أن الفرشاة تدغدغ لثتها!

وبما أن الضحك معدٍ، لم تستطع هيفا مقاومة الضحك، حتى تحول الحمّام إلى موجة ضحك متواصلة بينهما.

وقف أفراد العائلة يراقبون المشهد، وابتسموا بدفء.

دخلت أم سعد وقالت ممازحة: "كل جديد له حسناته وسيئاته، يا وردة!"

ضحك أبو سعد وقال: "هذه أول مرة أسمع وردة تضحك بهذا الشكل، والأغرب أن هيفا أيضاً تضحك معها، رغم أنها ليست من أهل الضحك!"

ضحكت هيفا وقالت: "وردتي تجعلني أضحك غصباً عني يا أبي!"

بعد انتهاء غسيل الوجه وتنظيف الأسنان، غيروا ملابسهم واستعدوا لمغادرة البيت.

اليوم سيكون أول يوم لوردة في بيت أم حسان، بينما يذهب الجميع إلى أعمالهم.

عند دخولها، وقف أفراد العائلة يراقبونها، وكأنهم كانوا يتساءلون كيف ستتكيف مع المكان الجديد، لكن في النهاية غادر الجميع إلى أعمالهم، وتركت وردة في بيت أم حسان على عكازاتها.

كانت أم حسان في انتظارها، والخادمة بجانبها.

ومع دخول وردة، عمّ الفرح في المكان، فقد كان بيت أم حسان رتيبًا قبل وصولها، وها هي الآن تضيف إليه روحًا جديدة.

عاملتها أم حسان وكأنها حفيدتها، وبدأت تغدق عليها الاهتمام، لكنها كانت تبالغ قليلاً.

فكل حركة تقوم بها وردة، كانت أم حسان تقدم لها الطعام أو الحلوى، حتى شعرت وردة أنها انتفخت من الأكل.

تنهدت وقالت لها بلطف: "لا أريد أي طعام أو حلوى بعد الآن."

نظرت إليها أم حسان بحزن وقالت بملامح متأثرة: "حقًا؟ لكنني فقط أريدكِ أن تأكلي جيدًا."

ابتسمت وردة وقالت: "يا ستي أم حسان، أنا لا أحب الأكل كثيرًا، ولستُ معتادة على تناول الطعام بكثرة، لذلك أرجوكِ أن لا تقدمي لي المزيد."

في تلك اللحظة، أخذت الخادمة وردة إلى غرفتها، ولعبت معها وعلمتها بعض الأغاني من بلدها.

لكن أم حسان أخذت موقفًا من الاثنتين، وابتعدت عنهما، وكأنها منزعجة من عدم تقبّل وردة لكثرة الطعام.

عندما أتت هيفا لأخذ وردة، اشتكت لها أم حسان مما فعلته وردة والخادمة.

ابتسمت هيفا وقالت بحنان: "لا تزعلي يا خالتي أم حسان، وردة صغيرة ولا تعرف كيف تُجامِل أحدًا، بل هي صريحة فيما تقوله، ويجب أن تتعودي عليها إذا كنتِ تريدينها أن تبقى عندكِ."

هزّت أم حسان رأسها وقالت مبررة: "أنا فقط خائفة عليها، ولا أريدها أن تجوع عندي."

قالت هيفا مبتسمة: "اليوم سأجلس مع وردتي ونتفاهم على ما يجب أن يكون عليه الوضع عندكِ. شكرًا لكِ، خالتي أم حسان."

 

نظرت وردة إلى هيفا وقالت بعفوية: "يا هيفا، لم تترك شيئًا إلا وأطعمتني منه، حتى شعرت بأن الطعام وصل إلى حلقي، ثم أصرت أن أتناول المزيد!"

ضحكت هيفا وسألتها: "يعني لم يعجبكِ المكوث عند أم حسان؟"

تنهدت وردة وقالت: "إذا استمرت بمعاملتي بهذه الطريقة، بالتأكيد لن أبقى عندها. حينها، سيكون الشارع أفضل!"

نظرت إليها هيفا بجدية وقالت بحزم: "هذه آخر مرة أسمعكِ تقولين كلمة 'شارع'! لقد أصبحتِ بنت بيت، ولا مكان للشارع في حياتكِ بعد الآن."

نظرت إليها وردة وقالت بتحدٍ: "لماذا تنزعجين من كلمة 'شارع'؟ أنا لا أعرف إلا أمثال الشارع، ولم أتعود بعد على أجواء البيت، وعاداته، وطريقة تصرفاته. عليكِ أن تتفهّمي ذلك."

تنهدت هيفا، ثم ابتسمت واحتضنت وردة وقالت: "لقد أعطيتني درسًا في التعامل مع الأطفال اليوم. أعتذر على فظاظتي معكِ."

ابتسمت وردة وقالت بصدق: "شكرًا لكِ، هيفا… لقد أحببتكِ كثيرًا لأنكِ تعتبرينني أختكِ، وهذا يجعلني أشعر بالسعادة الحقيقية."

لحظة تعليم جديدة...

بعد هذه المحادثة، جلستا قرب بعضهما.

سألت هيفا وردة بلطف: "هل تحبين أن تتعلمي القراءة والكتابة؟"

نظرت إليها وردة بتردد وقالت: "كيف يمكنني تعلّم ذلك، وأنا لا أعرف حتى كيف أمسك القلم؟"

ضحكت هيفا وقالت بلطف: "التعلّم مثل أي شيء نجربه للمرة الأولى! هل استطعتِ أن تفرشي أسنانكِ دون أن تضحكي؟ لقد ملأتِ البيت ضحكًا أثناء ذلك!"

نظرت إليها وردة وقالت بفضول: "وهل ما قمتُ به كان غير مريح؟"

ابتسمت هيفا وقالت: "لا، على العكس! كان مشهدًا مضحكًا للجميع، لكن بعد الضحك، بدأتِ تتعلمي شيئًا جديدًا…"

نظرت وردة إلى هيفا وقالت بمكر: "يعني كي أتعلم القراءة والكتابة، يجب أن أضحك أولًا، ثم أبدأ بالتعلم؟"

ضحكت هيفا وقالت بحنان: "يا قلبي عليكِ، ما أطيبكِ! اليوم سأطلب من أمي وأبي أن يبدآ بتعليمكِ، وكلنا سنساعدكِ إلى أن تصبحي متعلمة مثلنا تقريبًا."

نظرت إليها وردة بحماس وقالت: "يعني يمكنني أن أصبح محامية مثلكِ؟"

أجابت هيفا بابتسامة: "كل شيء ممكن إذا كنتِ تريدين ذلك وتحبين العلم، لكنه يتطلب الاجتهاد والمثابرة."

سألتها وردة بفضول: "وهل يمكنني أن أبدأ الآن؟"

قالت هيفا بحماس: "طبعًا، لا مانع من ذلك! سأحضر لكِ ورقة وقلم رصاص، وسنبدأ بتعلم كيفية إمساك القلم وتحريكه."

رفعت وردة حاجبها وسألت باستغراب: "وماذا يحتاج القلم إلى تحريك؟ نحرك يدنا كما نريد فيتحرك القلم، أليس كذلك؟"

ضحكت هيفا وهزّت رأسها وقالت: "هذه واحدة من الأخطاء التي يقع فيها من يريد أن يتعلم، بأن يستهين بالأمر!"

نظرت إليها وردة وقالت بمكر: "هل أنا أستهزئ بالقلم؟"

ابتسمت هيفا وقالت: "نعم، يا وردة! القلم قد يغلبنا إذا لم نعرف كيف نجعله مطاوعًا بين يدينا، وإلا فلن نحصل منه سوى خربشات غير مفهومة."

ثم تابعت بجدية: "مسك القلم بجدية هو أساس التعلم، وبعدها التركيز على ما نريد أن نكتبه. حينها، سنتمكن من السيطرة على القلم، بدل أن يسيطر هو علينا!"

نظرت إليها وردة بإعجاب وسألتها: "وهل مسك القلم صعب لهذه الدرجة؟"

ابتسمت هيفا وقالت: "نعم، في البداية ستشعرين بأن يدكِ غير مرتاحة، وربما تشعرين ببعض الألم، لكن مع الممارسة والمثابرة، ستتمكنين من الكتابة بسلاسة وخط جميل."

ثم مدت يدها وقالت: "حسنًا، لنبدأ الآن بتجربة مسك القلم!"

أخذت وردة القلم، لكن قبضتها عليه كانت غير متناسقة مع الكتابة، فبدأت هيفا تصحح لها الطريقة حتى تمكنت من إمساكه بشكل مقبول.

بعد ذلك، بدأت وردة بتحريك القلم بكل الاتجاهات، وعندما استمرت في ذلك لفترة، بدأت تشعر بأن أصابعها تتجمد وترفض التحرك.

لاحظت هيفا أن وردة بدأت تضجر، فقالت لها: "هل ترغبين بأن نعمل شيئًا تحبينه؟"

ابتسمت وردة وقالت بحماس: "أحب أن أتعلم، وأشاهد الهاتف والتلفزيون والكمبيوتر!"

ابتسمت هيفا وقالت بلطف: "في عمركِ، يجب أن تركزي على القراءة والكتابة يا وردة، مع مشاهدة التلفاز واللعب على الكمبيوتر، لكن يبقى التعلم هو الهدف الأساسي لكِ."

لحظة عائلية دافئة...

في تلك اللحظة، دخلت أم سعد إلى الغرفة، فابتسمت عندما رأت وردة وهيفا منهمكتين في التعلم.

قالت لهيفا: "عدتِ سريعًا من عملكِ، يا هيفا؟"

أجابت هيفا وهي تبتسم: "لم يكن لدي الكثير من العمل اليوم، لذلك عدت إلى البيت. وأنتِ؟ ليس من عادتكِ أن تعودي مبكرًا."

ضحكت أم سعد وقالت: "لا أريد أن أكذب عليكِ، لكن وردة هي السبب! لم أرغب في الذهاب إلى أي مكان آخر، بل فضلت العودة للاهتمام بها."

شعرت وردة بالسرور عندما سمعت ذلك، وأدركت أنها أصبحت محور البيت وعنصر السعادة الجديد فيه.

سألت أم سعد هيفا: "ماذا تفعلين مع وردة؟"

أجابت هيفا بحماس: "أريد أن نعلمها القراءة والكتابة، يا أمي."

ابتسمت أم سعد وقالت بحماس: "فكرة رائعة وضرورية لها! غدًا سأذهب إلى المكتبة وأحضر كتبًا تناسبها، كي تتعلم الأحرف وكيفية الكتابة واللفظ."

ثم تابعت: "لعلنا نتمكن من تسجيلها في المدرسة مع بداية السنة الجديدة!"

عندما اجتمع جميع أفراد العائلة، أصبح محور الحديث هو تعليم وردة القراءة والكتابة.

لكن فجأة، قالت هيفا ممازحة: "لا أحد منكم سأل كيف كان يوم وردة عند أم حسان، يا جماعة!"

نظرت العائلة إلى وردة وسألوها بصوت واحد: "فعلاً، كيف كان يومكِ عند أم حسان؟"

ضحكت وردة وقالت: "لقد انتفخت وزاد وزني عشرة كيلوغرامات!"

ضحك أبو سعد وقال مستغربًا: "كل هذا في يوم واحد؟!"

هزّت وردة رأسها وقالت بمكر: "نعم، عمو أبو سعد، لقد كانت تطعمني في كل لحظة، حتى شعرت أن الطعام لم يعد يدخل إلى بلعومي!"

ضحك الجميع على طريقتها العفوية في التعبير، ثم بدأوا يستفسرون منها عن كل التفاصيل.

بعد العشاء، توجهت أم سعد إلى بيت أم حسان، وأرادت أن تطمئن إلى تعاملها مع وردة.

توصلتا إلى اتفاق بأن لا تجبرها على فعل أي شيء لا تريده، فبررت أم حسان تصرفها بأنها كانت فقط تحاول الاعتناء بها.

ابتسمت أم سعد وقالت لها بحكمة: "يا أم حسان، 'كثرة الشدّ ترخي'!"

هزّت أم حسان رأسها وقالت: "معكِ حق، سأنتبه لهذا الأمر غدًا."

قالت لها أم سعد: "بالمناسبة، غدًا سأكون في البيت، لذلك لا حاجة لوجود وردة عندكِ."

لاحظت أم سعد أن أم حسان انزعجت قليلاً، فتابعت قائلة بابتسامة: "لكن بالتأكيد ستدخل عندكِ وتجلس معكِ لبعض الوقت."

ابتسمت أم حسان وقالت: "أنا سعيدة بهذا القرار!"

انتقل إلى الجزء السادس - من هنا


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا، بكم امل ان تجدوا ما يجعلكم تتابعون المدونة دائما،
مع محبتي واحترامي

قصة الملاك الحارس

  الملاك الحارس رواية بقلم غسان رزق العلي في عالمٍ يضجّ بالوجوه العابرة، وفي بيتٍ يظنّ أهله أنهم اكتفوا من الحياة، يصل شخصٌ بسيط، لا ي...

بحث هذه المدونة الإلكترونية