الجمعة، 5 يونيو 2026

الجزء الأول من قصة الملاك الحارس

 



الجزء الأول من قصة الملاك الحارس

الملاك الحارس

النوايا

👤 سمير

شاب بسيط، يحمل في قلبه صدقًا نادرًا، دخل بيت السيد سمارك كعامل مرافق له، لكنه أثبت نفسه كأخ، ومنقذ، وركيزة إنسانية لا غنى عنها. ماضيه مليء بالتحديات، لكنه اختار أن يكون نورًا لا ظلًا. تحوّل من هامشي إلى جوهري، ومن تابع إلى ملاك حارس.

👩‍🦰 هيلغا

ابنة السيد سمارك، قوية، ذكّية، ومديرة ناجحة، لكنها تحمل في داخلها هشاشة لم تكن تعرفها حتى وقعت في المحنة. بعد الاعتداء، تمرّ برحلة طويلة من الألم والتعافي، وتكتشف أن الأخّوة لا تُبنى بالدم، بل بالمواقف. سمير يصبح مرآتها الجديدة، التي ترى فيها الأمان والصدق.

👨‍🦳 السيد سمارك

رجل أعمال ناجح، وأب حنون، يعيش صراعًا داخليًا بين الماضي والحاضر، بين المرض والشفاء، بين السلطة والضعف. وجود سمير في حياته يعيد إليه الإيمان بالناس، ويمنحه فرصة ليكون أبًا حقيقيًا، لا مجرد ربّ منزل.

👨‍🦱 سيرج

خال هيلغا، رجل عملي، صريح، لا يحب المجاملات. رغم مظهره الحادّ، يحمل قلبًا كبيرًا، وكان أوّل من آمن بسمير، واحتضنه كجزء من العائلة. يمثل صوت الحكمة والواقعية في الرواية.

👩 فلالا

الخادمة الوفية، العين الساهرة في البيت، تعرف كل التفاصيل، وتحب الجميع بصمت. كانت أول من اكتشف الاعتداء على هيلغا، وأول من اتصل بالطوارئ. تمثل الضمير الحي، والحنان الذي لا يُطلب.

👤 الشاب المعتدي

ظُلٌّ مظلم في القصة، يمثل الخداع، والانتهازية، والشرّ الذي يتخفّى خلف الودّ. وجوده في الرواية ليس فقط كخصم، بل كاختبار لكل الشخصيات: هل ينهارون؟ أم ينهضون؟

بدأ قصتنا

  سمير، شاب لبناني، هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية، وبعد نحو ثلاث سنوات من وصوله، لم يتمكّن من الاستقرار في عملٍ ثابت، ولا من جمع المال الكافي لإرساله إلى أهله. كانت عمّته، التي هي سبب وجوده في أميركا، تقيم في ولاية كنتاكي، بمدينة جاكسون، لكنها لم تُعجب بتصرفاته، وبدأت تضيق عليه شيئًا فشيئًا، حتى أدرك أنه لم يعد مرغوبًا به في منزلها. وكان قد أمضى عامًا تقريبًا في بيتها، فقرر أن يتركه، ويغادر المدينة، بل الولاية بأكملها.

انتقل إلى ولاية فرجينيا، واستقرّ في مدينة هامبتون، حيث لا يعرفه أحد، ولا يعرف هو أحدًا. وهناك، لعبت الصدفة دورها، إذ اصطدم بأحد المارّة على الرصيف أثناء سيره، فسقط الاثنان أرضًا من شدة الصدمة.

وبعد لحظات من الذهول، نهضا، وكلٌ منهما يعتذر للآخر، ويعتبر نفسه المسؤول عمّا حدث. وانتهت الحادثة بابتسامة، ثم ضحكة، فسؤال عن الحال، ودار بينهما حديثٌ وديّ، وكأن القدر أراد أن يجمعهما بهذه الطريقة.

قال سمير للرجل: لماذا تسير بهذه الطريقة، وكأنك تحمل هموم الدنيا فوق رأسك؟

أجابه الرجل مبتسمًا: لست مهمومًا، بل أنا في غاية الفرح. لقد أنجبت ابنتي الوحيدة طفلها الأول، وهو أول حفيد في العائلة. ونحن، كطليان، نحب الأطفال كثيرًا. كنت في طريقي إلى بيتها، وهو قريب من هنا. لكن، لماذا لم تنتبه لي واصطدمت بي بهذه القوة؟

قال سمير معتذرًا: أعتذر، فقد كنت شارد الذهن. أنا بلا عمل، وهذا الأمر يزعجني كثيرًا.

ردّ الرجل بلطف: لا بأس، أنا بخير. وأحب أن آخذك معي إلى بيت ابنتي، لتتعرف عليها وعلى زوجها.

قال سمير مترددًا: لا، لا. اذهب أنت إلى ابنتك، وحفيدك الجديد، وصهرك. بارك الله فيكم جميعًا.

همّ الرجل بالذهاب، لكنه أصرّ على أن يرافقه سمير، ولو لفترة قصيرة، ثم يغادر كما يشاء.

قال سمير: لم تذكر لي اسمك. أنا اسمي سمير.

أجابه الرجل معتذرًا: آسف، لم أعرّفك بنفسي. اسمي سيرجيو، لكنهم ينادونني "سيرج"، وأنا من أصول إيطالية.

قال سمير مبتسمًا: تشرفت بك، أنا من لبنان.

ردّ سيرج بحرارة: أهلًا وسهلًا بك، عليك أن ترافقني إلى بيت ابنتي.

استجاب سمير لطلبه، وسار معه حتى وصلا إلى المنزل. قرع سيرج الجرس، ففتح صهره الباب، ورحّب بهما، مستغربًا وجود شخصٍ غريب مع عمّه.

فقال له سيرج: تحياتي، معي ضيف، وقد دعوته لأعرّفكم عليه.

قال له الصهر: أهلًا وسهلًا بكما، تفضّلا.

دخل الاثنان إلى المنزل، وجلسوا جميعًا في الصالون. سأل سيرج عن ابنته، فأجابه صهره بأنها في غرفتها. فقال الأب: أريد أن أراها.

وبينما كان يتجه إلى غرفة ابنته، قال لصهره: الضيف اسمه سمير.

ثم التفت إلى سمير وقال: صهري اسمه جورجينو، وهو أيضًا من أصل إيطالي.

بقي جورجينو وسمير في الصالون، ودار بينهما حديث وديّ.

سأل جورجينو: كيف تعرفت على سيرجيو؟

أجابه سمير مبتسمًا: لقد تعارفنا بالصدفة، منذ قليل فقط.

استغرب جورجينو وقال: وكيف حصل ذلك؟

ردّ سمير وهو يروي القصة: اصطدمنا ببعضنا البعض على الرصيف، وسقطنا أرضًا من شدة الصدمة. وحين استعدنا وعينا، بدأ كلٌ منا يعتذر للآخر، ودار بيننا حديث خفيف، غلب عليه الضحك، والحمد لله لم يُصب أحدٌ بأذى.

تابع سمير: كان حديثنا في البداية محاولة لتهدئة الموقف، وبعد أن هدأنا، طلب مني سيرج أن أرافقه إلى هنا لأتعرف عليكم. أعتقد أنه أراد أن يُظهر لي أنه غير غاضب مما حدث، وها أنا هنا. ألف مبروك على المولود الجديد، وتشرفت بمعرفتك.

ضحك جورجينو من الحادثة، وقال: فعلًا، إنها حادثة غريبة، لكنها تحصل. أهلًا وسهلًا بك.

ثم استرسل في الحديث وسأل سمير: ما معنى اسمك؟ وماذا تعمل؟

أجاب سمير: لا أعلم إن كان لاسمي معنى محدد، لكننا في لبنان نستخدمه كثيرًا. أما عن عملي، فقد جربت العديد من المهن، لكنني لم أتقن أيًا منها جيدًا. أنا الآن أبحث عن عمل.

قال جورجينو مستغربًا: ولماذا لا تملك مهنة محددة تتقنها؟

ردّ سمير بصراحة: أنا من لبنان، ولا أعلم إن كنت تعرف أن بلدي يعاني من الحرب. تركت المدرسة بسبب الظروف، وجئت إلى هنا. لا أملك مهنة حقيقية، وقد مضت ثلاث سنوات على وجودي في أميركا، ولم أنجح في الاستمرار بأي عمل. ربما لهذا السبب كنت شارد الذهن، وكذلك عمك، لكن لأسباب مختلفة. أنا بسبب البطالة، وهو بسبب فرحته بالمولود الجديد، فكان الاصطدام بيننا.

ابتسم جورجينو وقال: طالما أنّ عمي أراد أن يُعرّفك على ابنته والمولود الجديد، تفضّل لأُعرّفك عليهما.

نهضا معًا، وتوجّها إلى غرفة الأم والمولود. سار جورجينو أمام سمير، حتى وصلا إلى باب الغرفة. قال له جورجينو: تفضّل من هنا.

فتح الباب، فاستقبلتهما الأم، وهي تحمل مولودها بين ذراعيها، بابتسامة دافئة.

مرحباً، قال لي البابا ما حدث بينكما، ومنذ أن أخبرني والدي بالحادثة، وأنا لا أكفّ عن الضحك.

قدّمت له المولود الجديد ليباركه، وهو تقليد إيطالي معروف.

فحمله سمير وسأل عن جنس المولود واسمه، فقيل له إنه ذكر واسمه "جو".

فقال سمير: "يعني جوزيف"، ثم باركه وأعاده إلى والدته.

قالت الوالدة، وهي تحمل طفلها بحنان: نعم، جوزيف.

شكرهم سمير على حسن الاستقبال، وقال بلطف: أستأذنكم، فقد حان وقت المغادرة.

لكن سيرج قال مبتسمًا: ليس الآن، فما زالت الضيافة الإيطالية بانتظارك، ويجب أن تشاركنا بها.

ودّعوا الأم والمولود، وعادوا إلى الصالون. وأثناء جلوسهم، دار الحديث عن العادات والتقاليد في إيطاليا ولبنان عند ولادة طفل جديد. تحدثوا عن أنواع الحلوى التي تُقدّم، والهدايا التي تُهدى، والطقوس التي تُقام في مثل هذه المناسبات.

قدّموا لسمير بعض الحلوى الإيطالية، فتناولها شاكرًا، وهمّ بالمغادرة.

قال سيرج: سأرافقك، انتظرني لحظة.

ثم تحدث مع صهره على انفراد، وغادرا المنزل معًا.

وحين أصبحا في الشارع، قال سمير لسيرج: أشكرك على لطفك، وعلى استضافتك لي في بيت ابنتك. أرجو أن تسمح لي الآن بالانصراف.

ردّ سيرجيو وقد بدا عليه الاهتمام: لقد لاحظت من حديثك أنك بلا عمل، أليس كذلك؟

أجاب سمير: نعم، لا أعمل حاليًا، لكنني أبحث عن وظيفة.

قال سيرج بحزم: سأدبّر لك عملًا عند أحد أصدقائي.

استغرب سمير وسأله: وما هو هذا العمل؟

أخرج سيرجيو من جيبه دفترًا صغيرًا وقلمًا، وكتب عليه عنوان مقهى، ثم سلّمه لسمير وقال: هل تعرف هذا المكان؟

أجاب سمير: نعم، أعرفه جيدًا.

قال سيرج مبتسمًا: إذًا، كن هناك غدًا في الساعة التاسعة صباحًا، لنشرب شيئًا ساخنًا معًا.

ردّ سمير: إذًا نلتقي غدًا. شكرًا لك على كل ما فعلته، وأعتذر مرة أخرى عن حادثة الاصطدام.

ضحك الاثنان، ثم افترقا، كلٌ منهما يسير في اتجاهٍ معاكس.

في صباح اليوم التالي، توجه سمير إلى المقهى، ووصل قبل الموعد بقليل. لم يجد سيرج في البداية، فانتظره أمام الباب. لكن سيرج خرج من داخل المقهى، وسلّم عليه بحرارة، ثم جلسا معًا حول إحدى الطاولات في الخارج.

قال سيرج مبتسمًا: ماذا تحب أن تشرب؟

قال سمير: أنا أشرب القهوة من دون سكر.

ردّ سيرج مبتسمًا: وأنا كذلك.

طلبا القهوة، وبينما كانا ينتظران وصولها، دار بينهما حديثٌ وديّ.

بدأ سمير بالكلام: قلت إنك ستؤمّن لي عملًا، فما هو هذا العمل؟

أجابه سيرج: دعنا نشرب القهوة أولًا، ثم أخبرك بالتفاصيل.

قال سمير بإلحاح: أود أن أعرف نوع العمل.

ابتسم سيرج وقال: لدي لك خياران، اختر ما يناسبك. الأول: وظيفة بوّاب، لكنني لا أنصحك بها.

أما الثاني: فهو مجالسة رجل مُصاب بمرض في ساقيه، لا يستطيع المشي كثيرًا، ويستخدم كرسيًا متحركًا. يحب التنقل به خارج المنزل أكثر من استخدام السيارة، ولا تسألني عن السبب، فأنا نفسي لم أفهم ذلك. المطلوب هو البقاء معه طوال النهار، والأجر مغرٍ جدًا. كلا العملين في نفس المنزل.

سأل سمير باستغراب: وماذا تعني "مغرٍ جدًا"؟

أجاب سيرج: وظيفة البوّاب تُعطي راتبًا شهريًا قدره 1500 دولار، وتشمل السكن في غرفة بجانب الباب، مع الطعام.

أما مجالسة الرجل، فراتبها 2500 دولار شهريًا، وتشمل وجبتي الإفطار والغداء، وفي المساء تكون حرًا في وقتك.

قال سمير بتردد: شكرًا جزيلًا لك، لقد أتعبتك معي، لكنني لا أستطيع القيام بهذا النوع من العمل.

ضحك سيرج وقال: طيب، وماذا كنت تظن أن يكون العمل؟

أجاب سمير: لقد جرّبت الكثير من الأعمال، لكن مثل هذا العمل لم أجرّبه من قبل.

أشكرك على اهتمامك، وأرجو أن تسمح لي بالمغادرة، على أمل أن نلتقي مرة أخرى، في ظروف مختلفة عن تلك التي جمعتنا أول مرة.

ضحك سيرج وقال: حسنًا، وماذا كنت تعمل في لبنان؟

قال سمير: كنت أدرس في إحدى المدارس المهنية، وكان اختصاصي الطبخ. لكننّي لم أعمل في هذا المجال، لأنني كنت أعلم مسبقًا أنه متعب، ولم يكن لدي أي ميل نحوه. لم أُكمل دراستي، وجئت إلى هنا هربًا من الحرب التي كانت تدور في لبنان. حين طلبتني عمتي للحضور إلى أميركا، ظننت أنها فرصتي الكبرى، وأنني سأحقق أحلامي هنا. حلمت كثيرًا، لكن كما يقولون: حساب الحقل لا يطابق حساب البيدر.

بعد عدة أشهر، أو ربما سنة، لم أنجح في أي عمل. لا أعرف حتى الآن سبب ذلك. ضاقت عمتي ذرعًا بي، ولم تعد ترغب ببقائي في منزلها، خاصة أنني كنت أعتمد على معاشها التقاعدي. أجبرتني على المغادرة، فتركت بيتها، وانتقلت مع أحد الأصدقاء إلى هذه المدينة. ومنذ سنتين، وأنا هنا، ولم أعد أتواصل معها أو أتحدث إليها.

استغرب سيرج وقال: كيف تعاملت معك عمّتك بهذا الشكل؟ وكيف تركتها وسكنت في مدينة بعيدة عنها؟ والأغرب أنك حتى الآن لم تعتمد على أي مهنة أو حرفة!

أجاب سمير بصوتٍ يحمل شيئًا من الأسى: كانت تخطط لأن أتزوج ابنة أخيها، وأن أعمل في أحد المطاعم. لكنّها مهنة لم أحبها يومًا، ولم أرتح لابنة أخيها أيضًا. وحين رفضتُ السير في الطريق الذي رسمته لي، تغيّر تعاملها معي تمامًا، ولم تعد تهتم لوجودي من عدمه. فقررت أن أترك بيتها، وأبحث عن عمل في مكان آخر. انتقلت إلى هذه المدينة، لكنني لم أوفّق في أي عمل، ولم أثبت في أي وظيفة. والآن، أنا بلا مال، وبلا إقامة قانونية، أعيش هنا بشكل مخالف للقانون.

نظر إليه سيرج بعينٍ فيها مزيج من التعاطف والجدية، وقال: يا سمير، الرجل الذي حدثتك عنه هو شخصية مرموقة، وصاحب شركة كبيرة. لكن المرض أجبره على البقاء في المنزل، إذ يعاني من مشكلة في المفاصل تمنعه من المشي لمسافات طويلة، ويستخدم كرسيًا متحركًا.

مهمتك ستكون بسيطة، أن ترافقه قبل الظهر، تتحدّث معه، وتأخذه إلى الحديقة. كان يعزف على الغيتار الكلاسيكي، لكنه توقف عن العزف بعد وفاة زوجته، وهي قريبة لي، وتغيّرت حياته كليًا بعدها.

أما الاهتمام بنظافته وطعامه وشرابه، فهناك من يتولى ذلك، ولن تكون مسؤولًا عنه. ابنته الوحيدة، وهي أيضًا من أقربائي من جهة والدتها، تدير الشركة، وتأتي بعد الظهر لتعتني به. وإن تأخرت لسببٍ ما، تبقى معه حتى وصولها، وستحصل على مكافأة إضافية.

نصيحتي لك أن تجرب هذا العمل لمدة شهر. سأخبر ابنته أنك هنا للتجربة فقط، وقد يستطيعون مساعدتك في الحصول على إقامة قانونية.

صفن سمير قليلًا، ثم قال: هل تعلم أنني أحب العزف على الغيتار، لكنني لا أملك واحدًا؟ وهل تعلم أنني لا أحب مجالسة كبار السن، لأنهم يذكرونني بما سأكون عليه حين أكبر؟ أتذكر أبي، الذي كان يقول لي: "جالس الكبار تكبر، وجالس الصغار تصغر"، ولم أكن أحب هذا المثل، لكن للحق، أنا بحاجة لهذا العمل، على الأقل هذا الشهر، لأن أحد أصدقائي ينتظر مني سداد دين كبير.

لذلك، أقبل أن أكون جليسًا لهذا الرجل، وأطلب من الله أن يعينني على إتمام هذا الشهر. لكن هل مشكلته فقط في المشي، أم أن لديه أمراضاً أخرى؟

أجاب سيرج: لا، هو بصحة جيدة عمومًا، لكنّ مرض المفاصل أصابه مبكرًا، ولم تنفع معه العلاجات، كما أنه يرفض الخضوع للجراحة. لم يبلغ سن التقاعد بعد، لكنه يحب التنزه يوميًا، وإلا يصبح عصبيًا، ويزعج من حوله، وقد يصرخ أو يشتم أحيانًا. لا يحب استخدام الكرسي الكهربائي، بل يفضّل أن يُجر يدويًا، ولا أحد يعرف السبب.

سأل سمير: وهل تقدّم لهذا العمل أشخاص غيري؟

أجاب سيرج: نعم، كثيرون. بعضهم ترك العمل، وبعضهم لم يعجبه، فطردهم. لكن صدقني، إن استطعت أن تلامس مشاعره، ستستفيد كثيرًا، فهو كريم مع من يحب. وبما أنك تحب الغيتار كما هو، فقد تكون هذه نقطة البداية بينكما، وقد تنسجما معًا. وإن حصل ذلك، ربما يساعدك في الحصول على إقامة.

ثم قال سيرج بحماس: هيا بنا الآن، لأعرّفك عليه.

سأل سمير: وأين يسكن؟

أشار سيرج إلى شارع خلف المقهى، وقال: على بُعد خمس دقائق مشيًا فقط.

قال سمير بحزم: هيا بنا إذًا.

غادرا المقهى بعد أن دفع سيرج الحساب، وتوجّها نحو الشارع الذي يسكن فيه الرجل. وبعد دقائق، وصلا إلى حديقة كبيرة، تتوسطها أزهار متنوعة، وتُحيط بها أشجار باسقة، وفي داخلها منزل خشبي واسع، يطلّ على الممرات الخضراء.

عند وصولهما إلى البوابة، ضغط سيرج على زر الجرس، فجاء صوت عبر الإنترفون يقول: من هناك؟

أجاب سيرج: أنا سيرج، افتحي البوابة يا فلالا.

فُتحت البوابة، ودخلا معًا. أشار سيرج إلى غرفة صغيرة بجانب المدخل، وقال لسمير: هذه غرفة البوّاب، إن أحببت أن تعمل في هذه الوظيفة. وإن لم يعجبك، فهناك وظيفة مجالسة السيد كما تحدثنا.

تابعا السير على ممر مخصص للمشي داخل الحديقة، حتى وصلا إلى مدخل المنزل، المؤلف من عدة درجات خشبية. صعداها، حتى بلغا الباب، حيث كانت الخادمة "فلالا" تقف خلف الشبك، وقالت: أهلًا بك سيد سيرج، تفضّل، السيد بانتظارك.

دخلا المنزل، وتوجّها إلى الغرفة التي يجلس فيها السيد. بادر سيرج بالحديث، وقال: لقد وجدت من يقبل بالعمل معك، وهو شاب يحب الغيتار مثلك، وهذه نقطة جميلة. عمره قريب من عمر ابنتك، واسمه سمير، وهو من لبنان.

نظر السيد إلى سمير، وقال بلهجة حادة: أهلًا، أهلًا. لماذا قبلت بهذا العمل؟

أجاب سيرج: لأنه بحاجة إليه.

ردّ السيد بصرامة: أنا أسأله هو، وليس أنت.

أشار سيرج إلى سمير، طالبًا منه أن يتحدث.

قال سمير بهدوء: أنا عاطل عن العمل منذ فترة طويلة، وقد تراكمت عليّ ديون كثيرة. من خلال هذا العمل، أستطيع أن أسدد جزءًا منها.

هزّ السيد رأسه، وقال: وهل شرح لك سيرج ما المطلوب منك؟

أجاب سمير: نعم، شرح لي بشكل سريع. المطلوب أن أرافقك، وأدفع كرسيك المتحرّك إلى أيّ مكان ترغب في الذهاب إليه.

سأل السيد: هل تمارس الرياضة؟

قال سمير: لا، لكنني أمشي كثيرًا.

تابع السيد أسئلته: هل تدخّن؟ أو تمارس أي عادات سيئة؟

نظر سمير إلى سيرج، متسائلًا عن سبب هذه الأسئلة، فأشار إليه سيرج أن يجيب بصراحة.

قال سمير: لا، لا أدخن إطلاقًا. لكنني أحب أن أشرب البيرة من وقت إلى آخر.

قال السيد بابتسامة خفيفة: لقد نجحت في الرد، واعتُبرت موظفًا من الآن، لأنني لا أحب المدخنين إطلاقًا.

قال سمير: لدي بعض الأسئلة، هل تسمح لي أن أطرحها؟

أشار إليه السيد بيده وقال: تفضّل.

قال سمير: أولًا، ما اسمك حتى أناديك به؟

ثانيًا، ماذا أفعل إن لم ترغب في الخروج لأيّ مكان؟

ثالثًا، هل يمكنني مغادرة المنزل إذا لم يكن لدي عمل معك؟

أجاب السيد بهدوء: أولًا، اسمي "سمارك".

تبسّم سمير بتعجب، فقال له سمارك: لماذا ابتسمت؟

قال سمير: لأنني لاحظت أن أسماءنا نحن الثلاثة تبدأ بحرف السين: سمير، سيرج، وسمارك.

ضحك سمارك وقال: فعلاً، صدفة جميلة.

تدخّل سيرج مازحًا: يعني الآن نحن "مجموعة حرف السين"!

ضحك الثلاثة، ثم تابع سمارك: أما بخصوص خروجك من المنزل، فطالما أنا خارج البيت أو لا أحتاجك، يمكنك أن تغادر وتفعل ما تشاء. لكن إن كنت في المنزل، حتى لو كنت نائمًا، يجب أن تبقى هنا حتى انتهاء وقت عملك.

سأل سمير: ومتى يبدأ عملي؟ ومتى ينتهي؟

أجاب سمارك: أريدك هنا في تمام الساعة الثامنة صباحًا، وحتى الرابعة مساءً. ولا أقبل أي تأخير.

في تلك اللحظة، رنّ جرس الهاتف. ردّت الخادمة "فلالا"، ثم دخلت تحمل الهاتف إلى السيد سمارك.

بدأ الحديث، وكانت ابنته على الطرف الآخر. أخبرها أن سيرج قد وجد شابًا ليبقى معه.

دار بينهما حديث بلغة لم يفهمها سمير في البداية، لكنه أدرك لاحقًا أنها الألمانية.

خلال المكالمة، تحدث سمير وسيرج بصوت منخفض، يتبادلان التعليقات حول الحوار الذي دار بين سمير وسمارك، وكيف أن أسماءهم تبدأ بالحرف نفسه.

قال سيرج لسمير: سمارك أصله ألماني، ويتحدث الألمانية بطلاقة. يتحدث مع ابنته بهذه اللغة دائمًا، وحتى أنا لا أفهم ما يقولان. أعتقد أنه اليوم في مزاج هادئ، وهذه فرصة جيدة لك.

قال سمير: نحن اليوم في منتصف الشهر، فهل يمكنني الحصول على نصف الراتب؟

أجاب سيرج بثقة: بالتأكيد، ستحصل على نصف المعاش الشهري.

أنهى السيد سمارك مكالمته مع ابنته، وأغلق الهاتف، ثم أشار إلى الخادمة لتأخذه وتحضّر شيئًا من الضيافة.

توجّه بعدها إلى سيرج، وقال له: أشكرك على تأمين هذا الشخص لي.

قال سيرج مبتسمًا: لو تعلم يا سمارك كيف تعرّفت عليه!

استفسر سمارك: وكيف حصل ذلك؟

أجاب سيرج وهو يسترجع اللحظة: كنت في طريقي إلى بيت ابنتي ماريا، طائرًا من الفرح لأنها أنجبت أول طفل لنا. كنت أسير على الرصيف، أفكر بالطفل "جو"، كيف سيكون شكله، وكيف ستتغّير حياة ماريا مع وجود مولود جديد. وفجأة، اصطدمت بشيء كأنني اصطدمت بحائط، وسقطت أرضًا. وإذا به سمير، جالس بجانبي بعد الصدمة.

بعد أن استعدنا وعينا، اعتذرنا لبعضنا، وتحدثنا قليلًا لنزيل الذهول، ثم أخذته معي إلى بيت ماريا، وتعرّف على زوجها وطفلها. وحين علمت أنه بلا عمل، خطرت أنت على بالي، وتذكرت أنك بحاجة لمن يساعدك في دفع كرسيك المتحرّك، وهو بحاجة إلى عمل. فكانت الفكرة، وأخبرتك عنه، وها نحن هنا، والحمد لله الأمور تسير على ما يرام.

لكن بخصوص الراتب، يجب أن يعرف كم ستدفع له.

قال سمارك: نحن ندفع لأي عامل لدينا خمسة دولارات في الساعة، لكن لسمير سأدفع عشرة دولارات، مع وجبتَي الإفطار والغداء. ويُحسب له من الآن، وكأنه بدأ العمل من الساعة الثامنة صباحًا.

قاطعه سيرج بسرعة: سمير لا يحمل إقامة قانونية، أي أنه غير شرعي هنا. أحببت أن أخبرك بذلك.

نظر إليه سمارك بنظرة فيها عتاب، وكأنه لم يكن يرغب بسماع هذه المعلومة الآن، لكنه كتم غيظه، ولم يتكلم لبرهة، غارقًا في التفكير.

ثم توجّه بالكلام إلى سمير، وقال: لماذا أنت بلا إقامة؟ هذا يعني أنه في حال حدوث أي مشكلة أو حادث، سيتم ترحيلك.

أجاب سمير بهدوء: لي ثلاث سنوات هنا، ولم أقع في أي مشكلة أو حادث، سوى ما حصل أمس مع سيرج.

قال سمارك: إن أعجبني حضورك وتعاملُك معي، سأعمل على تأمين إقامة لك من خلال الشركة.

ثم التفت إلى سيرجيو وقال: يمكنك الآن أن تذهب إلى عملك إن أحببت.

ثم خاطب سمير: وأنت، ادفعني إلى الحديقة العامة، لأن اليوم هو الثلاثاء، وهو يوم مميّز بالنسبة إليّ، أحبّ أن أكون فيه هناك.

فما كان من سمير إلا أن أمسك الكرسي المتحرّك، وبدأ يدفعه إلى الأمام، وغادرا المنزل، بينما غادر سيرج أيضًا إلى عمله.

بدأ سمير يدفع الكرسي، وسمارك يرشده إلى الطريق الذي يحب أن يسلكه. حتى وصلا إلى مدخل الحديقة العامة، وهي حديقة واسعة، مليئة بالأشجار والزهور المتنوعة، والمقاعد المنتشرة، ونوافير المياه بأحجام مختلفة، وبرك ماء، ونهر يعلوه جسر خشبي قديم.

كانت هذه أول مرة يدخل فيها سمير إلى هذه الحديقة، فسارا في الممرات دون توقف. شعر سمير بالتعب، لكنه لم يتكلم ولم يتأفف. وطوال الطريق، لم يتبدلا أي كلمة.

وحين وصلا إلى جانب البركة الكبيرة، طلب منه سمارك أن يتوقف. شعر سمير وكأنه على وشك الانهيار من التعب، فجلسا على مقعد قريب، وبدأ يتثاءب من الإرهاق.

نظر إليه سمارك وقال: يبدو أنك تعبت، كما هو ظاهر عليك.

أومأ سمير برأسه، مؤكدًا ذلك دون كلام.

انتقل إلى الجزء الثاني  من هنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا، بكم امل ان تجدوا ما يجعلكم تتابعون المدونة دائما،
مع محبتي واحترامي

قصة الملاك الحارس

  الملاك الحارس رواية بقلم غسان رزق العلي في عالمٍ يضجّ بالوجوه العابرة، وفي بيتٍ يظنّ أهله أنهم اكتفوا من الحياة، يصل شخصٌ بسيط، لا ي...

بحث هذه المدونة الإلكترونية