لم اصدق ان امي ستخبرنا حكاية تدوم معي سنوات طويلة حتى اكتبها
حكتلي أمي
الجزء الأول
في ليالٍ كانت الطفولة فيها تنام على صوت الحكاية، لا على ضوء المصابيح، جلستُ مع أخي وابن خالتي ننتظر تلك اللحظة التي تقول فيها أمي: "تعوا، بدي خبركن حكاية."
لم تكن
الحكاية مجرد كلمات، بل كانت عبورًا إلى عالمٍ آخر، فيه المغارة ليست مكانًا، بل مصير،
والضياع ليس نهاية، بل بداية لاكتشاف الذات.
هذه القصة،
التي روتها لي أمي منذ أكثر من أربعين عامًا، بقيت تسكنني، تنمو في داخلي كما تنمو
الأشجار في الوادي، حتى قررت أن أكتبها، لا لأرويها فقط، بل لأحفظها من النسيان، وأهديها
لكل من يؤمن أن الحكاية قد تكون أحيانًا أكثر صدقًا من الواقع.
حكت لي
أمي
في إحدى
الليالي، رغب ابن خالتي، مخايل، أن يبيت عندنا. وكنا، أنا وأخي جمال، نتعارك قبل النوم
ونلعب المصارعة كعادتنا. ولتهدئتنا، قالت أمي: تعوا، بدي خبركن حكاية.
فقلنا
لها بحماس: صحيح؟
فأجابت:
نعم، اقعدوا.
جلسنا
وتربعنا على الفراش، بينما جلست هي على كرسي قش صغير، ثم قالت بصوتها الحنون: كان يا
مكان، في قديم الزمان... هلأ منحكي، وبعد شوي منام.
يحكى أن
امرأة كان لديها ولدان: أحدهما عاقل، يطيع أمه، والآخر على النقيض منه، لا يحب أن يقوم
بأي عمل صحيح. كلما طلبت منه شيئًا، أقام الدنيا ولم يقعدها، وألقى كل المسؤوليات على
أخيه الصغير.
كان لديهم
نعجتان وخروف يعتنون بهم، إلى جانب أعمال أخرى مطلوبة منهما. لكن الصغير كان يتولى
أغلب المهام، أكثر من أخيه الكبير، مما جعل الأم تحنّ عليه وتفضّله في قلبها.
وفي أحد
أيام فصل الربيع، نزلا إلى الوادي لرعي الخراف، وتوغّلا بعيدًا وهما يتلهّيان ويلعبان
ويقفزان، دون أن يشعرا بمرور الوقت، حتى برقت السماء ورعدت. حينها تنبّها إلى وضعهما،
ولم يكونا قد حسبا حساب المطر.
بحثا عن
الخراف فلم يجداها، وسأل أحدهما الآخر بقلق: ماذا نفعل؟
كان الليل
قد بدأ يحلّ عليهما، وراحا يناديان الخراف، لكن دون أن يلقيا أي جواب. وعادت السماء
تبرق وترعد، وبدأ المطر ينهمر بشدة. فاتفقا على أن ينفصلا، كلٌّ منهما يبحث في اتجاه،
وهما يناديان الخراف ويناديان بعضهما البعض. لكن بعد فترة، لم يعد أحدهما يسمع صوت
الآخر.
ازدادت
حدة المطر حتى بات من الصعب عليهما رؤية أي شيء، حتى عن قرب.
كان الصغير
ينادي ولا يسمع جوابًا، حتى اصطدم رأسه بغصن شجرة، فغاب عن الوعي وسقط أرضًا، وظلّ
مستلقيًا وفاقدًا للوعي لفترة من الزمن.
أما الكبير،
فضاق صدره من هذه الحال، وقال في نفسه: ربما وجد أخي الخراف وسبقني إلى البيت، فلماذا
هذا العذاب كله؟ سأصعد إلى البيت.
وعندما
وصل، كانت أمه في حالة يُرثى لها، من شدّة خوفها وهلَعها على أبنائها، بينما نساء الحارة
يحاولن تهدئتها ويجبرن خاطرها بكلامٍ مخفف.
انقسم
الرجال إلى فريقين: قسم نزل إلى الوادي بحثًا عنهما، وقسم بقي يستعلم ويسأل كل من أتى
من جهة الوادي، لعلّ أحدًا سمع عنهما شيئًا.
وإذ بالأخ
الكبير يصل وحده إلى البيت، فتنهال عليه الجموع بالأسئلة، فشعر بحرجٍ شديد، إذ لم يكن
أخوه قد عاد بعد.
أدخلوه
إلى أمه، وعندما رأته غمرته بذراعيها، والدموع تنهمر من عينيها وهي تقول: الحمد لله
على سلامتك يا ابني، يا حبيبي… أين أخوك؟
بدأ يروي
لها وللحاضرين ما حدث معهما، وكيف جاب كل الأماكن، ولم يترك زاوية إلا وبحث فيها، لكنه
لم يجد لا أخاه ولا الخراف. فعاد إلى البيت، جائعًا وبردانًا، وفي داخله ظنٌّ بأن أخاه
ربما سبقه إلى هناك.
قامت الأم
بإحضار الطعام له، وأعطته ملابس ليغيّر ثيابه المبلّلة. أكل، ثم وضع رأسه ونام نومًا
عميقًا.
ومنذ ذلك
اليوم، لم يعد أحد يعرف شيئًا عن الصبي الضائع، رغم كل المحاولات التي جرت للعثور عليه،
ولأنها جميعًا باءت بالفشل.
وهكذا
انتهت عملية البحث؛ فالولد إمّا أنه ضاع، أو أن الوحوش الكاسرة التهمته…
نعود الآن
إلى الصغير، الذي كان قد وقع على الأرض وغاب عن الوعي، بينما البرد والجوع يأخذان منه
مأخذًا شديدًا.
وفي تلك
اللحظة، رأى في حلمه أنه نائم في فراش دافئ، والخراف ملتفّة حوله، تلهث لتدفئه.
صاح بصوت
حالم: يا أخي، وجدتهم! أمسكهم جيدًا كي لا يهربوا مرة أخرى!
لكنه كان
لا يزال مستلقيًا على الأرض، والماء والوحل يزيدان من إحساسه بالبرد الذي كان يقرص
جسده بقسوة.
استيقظ
على ومضة برق قوية، ليجد الخراف متجمّعة حوله.
تلفّت
يمينًا ويسارًا، محاولًا أن يعرف أين هو، وماذا يوجد حوله، فلاحظ مغارة قريبة منه،
كشفها له ضوء البرق المتلاحق.
مشى نحوها
مترنّحًا، من شدّة الألم والجوع والبرد والخوف. وحين وصل إلى بابها، سمع صوتًا مرعبًا
ينبعث من داخلها، صوت حيوان مفترس.
لم يكن
أمامه سوى أن يستجمع كل قوّته ورباطة جأشه، فصرخ صرخة قوية، جعلت الحيوان يفرّ من المغارة
بسرعة.
دخلها
منتصرًا، وهو يقول للخراف: شاهدتم كيف هرب؟
ثم جلس
على الأرض، وغطّ في نوم عميق، حتى طلعت الشمس ووصلت إلى وجهه، ولدعته بوهجها لفترة
قصيرة، كما لو أنها أم حنون توقظه وتقول له: انهض، أمامك عمل يجب أن تقوم به.
نهض، محاولًا
أن يسترجع ما حدث معه، ثم جال ببصره في المكان. لم يكن يعلم أين هو، ولا يعرف شيئًا
عن هذا المكان، ولا حتى يتذكّر من يكون. كانت الأرض موحشة، لا يدخلها إنسان، والتلال
تحيط به من كل جانب. بالقرب من المغارة، كان هناك نبع ماء ينساب رقراقًا.
تذكّر
فجأة أنه عطشان، فركض نحو الماء وشرب، وكان العطش يحرق جوفه. جلس بعدما ارتوى، وغسل
جسده من الوحل الذي كان يكسوه بسبب وقوعه المتكرر.
لكن الجوع
بدأ يأخذ منه مأخذًا، حتى أصبح يشعر وكأن معدته تعضّه من الداخل. تلفّت حوله وهو لا
يدري ماذا يفعل، فوجد بجواره شجرة خرنوب كبيرة، تحمل قرونًا ناضجة.
هرع إليها،
وقطف بعض ثمارها، وأكل حتى شعر بالشبع. في تلك اللحظة، بدأ يشعر بأنه فاقد لشيء ما،
لكنه لا يعرفه ولا يدركه. كان رأسه يؤلمه، وفيه جرح عميق، والصورة في ذاكرته مشوّشة.
لم يعد يعرف أي معلومة عن نفسه.
عاد المطر
للانهمار، وصوت الرعد والبرق يصمّ أذنيه. فاندفع عائدًا إلى المغارة، وتنبه إلى ضرورة
أن يفعل شيئًا لحماية نفسه والخراف. بدأ بتنظيم المغارة كما يجب؛ فبنى لها حائطًا،
وصنع لها بابًا، ليحصر الدخول والخروج منها، ويحميها من البرد والرياح العاصفة.
كانت الخراف
ترعى في المكان، لكنه لم يكن يعرف شيئًا غير ذلك. ولكي يكسر حدة الجوع، قرر أن يحلب
النعجات. حاول مرات عدة، لكن محاولاته باءت بالفشل، حتى تمكّن أخيرًا من حلبها. لكن
سرعان ما احتار في أمره: أين يضع الحليب؟
فكان يشربه
مباشرة من ضرع النعجة، حتى وجد بالقرب من أحد الينابيع عرق يقطين، يحمل عددًا من ثمار
اليقطين اليابس. عندما حاول قطف واحدة منها، انزلقت من يده ووقعت على حجر فانكسرت.
كانت خفيفة وفارغة من الداخل، فأكمل كسرها حتى أصبحت أقرب إلى دلو.
خطرت له
فكرة أن يستعملها لحفظ الحليب فيها، فجمع باقي ثمار اليقطين اليابس بعد تلك التجربة
الناجحة، وصار يضع فيها الحليب. لاحظ بعد فترة أن الحليب، عندما يبقى لفترة، يتحوّل
إلى لبن، فصار يأكله إلى جانب ما تنتجه الخراف، ويشرب من النبع طوال سنوات.
كان يأكل
من الخرنوبة، ومن الأعشاب التي يجدها في تلك الأرض. تعلّم التمييز بينها بالتذوّق؛
فإذا كانت حلوة أكلها، وإذا كانت مرّة ابتعد عنها. كما تعلّم صيد بعض الطيور، إما بضربها
بالحجارة، أو بإمساكها في الليل وهي نائمة في المنطقة التي كان ينام فيها. ويصطاد الأرانب
التي كانت متواجدة في المنطقة، كما وجد عسلًا في شقٍّ صخري قريب منه، فكان أيضًا من
ضمن غذائه اللذيذ.
ومع مرور
العديد من السنوات، التي لم يكن يعرف عددها، تحوّل الفتى إلى رجل قوي البنية، ذي عضلات
صلبة وملامح وجه قاسية، بفعل التعب الذي كان يعيشه، والتجوال المستمر في تلك الأنحاء.
تعرّف على بعض القرى والبلدات القريبة منه، وصار يتبادل معهم ما ينتجه بما يحتاجه من
عندهم.
بدأ يتعلّم
منهم ما كان يجهله: من صنع اللبن ومشتقاته، وجزّ صوف الخراف، حتى أصبح لديه أوانٍ للطبخ،
وأخرى لجمع الحليب وصنع الأجبان والسمن.
كما تعلّم
كيف يصطاد الطيور بنصب الفخاخ لها، وللأرانب أيضًا. وهكذا، ذاع صيته في المنطقة، وصار
معروفًا بلقب "رجل المغارة".
أصبح الجميع
يحترمه ويقدّره، ونجح في أن يكون من كبار مربي المواشي، والخير وفير لديه. كما صار
من أصحاب المال، نتيجة بيعه للخراف ومنتجاتها.
وفي أواخر
أيام الصيف، عند الظهيرة، وصل رجل كهل، لكنه كان لا يزال يتمتع بهمّة قوية وبأسٍ شديد،
وطلب من رجل المغارة أن يستريح لديه.
استقبله
بالترحاب، وقدّم له الشاي والحليب وبعض الخبز، قائلاً: أهلًا وسهلًا بك.
ثم سأله:
لماذا أنت هنا في هذا المكان، وفي هذا الوقت يا عم؟
فقال الرجل
الكهل: أنا أقصد القرية الفلانية، لأشتري بعض الخراف لأتاجر بها في قريتي.
ردّ رجل
المغارة: ولماذا تذهب إلى هناك؟ أنا لدي ما تريد!
فأجاب
الرجل الكهل: فليكن ذلك، ولكن عليّ الصعود إلى القرية قبل المساء، لقضاء الليلة هناك.
قال له
رجل المغارة: ابقَ عندي هذه الليلة، أهلًا وسهلًا بك، ولا حاجة لك للذهاب إلى أي مكان.
وفي الغد، تذهب إلى قريتك.
ثم سأله:
أين تقع قريتك؟
فأشار
الكهل إلى ناحية الشمال، وقال: خلف تلك التلال، هناك ضيعتي، أي قرابة يومين مشيًا على
الأقدام.
هزّ رجل
المغارة رأسه وقال: لم أصل إليها إذًا، فأنا لم أتجه صوب الشمال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا، بكم امل ان تجدوا ما يجعلكم تتابعون المدونة دائما،
مع محبتي واحترامي