اهتمام ام سعد وأبو سعد بوردة مع جارتهم هو امر جميل جدا
الجزء الأخير من قصة وردة بائعة الورد
ضحكت
هيفا على تعبير وردة، ثم احتضنتها وقالت: "تقبري قلبي، ما أطيبكِ!"
ثم
سألتها بلطف: "لماذا استيقظتِ باكرًا جدًا؟ لم يظهر الضوء بعد، هل تشعرين
بشيء؟"
أجابت
وردة بابتسامة: "نعم، أشعر بالسعادة، لذلك لا أستطيع النوم! هل أزعجتكِ؟ هل
تريدين العودة للنوم؟"
ضحكت
هيفا وقالت: "هل تعرفين كم الساعة الآن، يا وردتي؟"
هزّت
وردة رأسها وقالت: "لا أعرف."
ابتسمت
هيفا وقالت: "إنها الرابعة إلا ربع! يمكنكِ العودة للنوم."
نظرت
إليها وردة وقالت بخجل: "هل تسمحين لي بأن أنام
بجانبكِ؟"
ابتسمت
هيفا وقالت: "يا مية هلا!"
رفعت
الغطاء، فاندست وردة تحته واحتضنت هيفا وهي تضحك.
سألتها
هيفا مبتسمة: "لماذا تضحكين يا وردتي؟"
أجابت
وردة بعفوية: "أحب رائحتكِ، لقد تعودت عليها، وهذا يجعلني سعيدة!"
ضحكت
هيفا من قلبها على كلام وردة، وطلبت منها أن تنام حتى الصباح.
لكن
لم يمر وقت طويل حتى سمعوا صوت أم سعد وهي تقول بصوت ناعم: "انهضا، لقد أصبح وقت ذهاب هيفا
إلى العمل!"
حين
دخلت إلى الغرفة ورأت وردة نائمة بجانب هيفا، ابتسمت وقالت ممازحة: "نيالكِ يا هيفا، لديكِ من ينام
بجانبكِ!"
ضحكت
هيفا وقالت: "لقد استيقظت الساعة الرابعة، وكانت تريد أن تفتح حديثًا،
فطلبتُ منها أن تنام بقربي."
هزّت
وردة رأسها وقالت: "لا يا طنت، أنا من طلب أن أنام بقربها لأنني أحب
رائحتها!"
نظرت
إليها أم سعد باستغراب وسألتها: "ولماذا تحبين رائحتها؟"
أجابت
وردة بكل عفوية: "أشعر بالسعادة حين أشم رائحتها، وأشعر بالأمان بقربها."
ابتسمت
أم سعد وقالت بحنان: "تقبري قلبي، يا وردة! أنتِ بحاجة إلى الحنان، وإن شاء الله
يبقى الحنان دائمًا بقربكِ."
ثم
قبّلتها وغادرت الغرفة.
مفاجأة
غير متوقعة...
مرت
خمس سنوات على وجود وردة في بيت أبو سعد، وأصبحت حديث الجميع والجيران وحتى
الشارع، فقد أصبحت فتاة قوية ومحبوبة، ذات شخصية مشرقة ومتميزة.
وذات
يوم، دخل سعد إلى المنزل، وهو يحمل خبرًا غير متوقع.
قال
بصوت جاد: "جدة وردة حضرت إلى مخفر باب الرمل في طرابلس، وقدّمت بلاغًا
بأنها تريد معرفة مكان حفيدتها وردة."
نظر
إليه الجميع بصدمة، فأكمل: "تم تعميم البلاغ على جميع
المخافر، ووصل إلي، فتفاجأتُ بالأمر. رددتُ عليهم بأن وردة موجودة لدينا في البيت،
فطلبوا مني إحضارها إلى المخفر."
شعر
أهل البيت بالغضب والسخط، لكن سعد قال لهم بحزم: "هي لها حق البحث عن حفيدتها،
ونحن علينا أن نكون متعاونين للوصول إلى الحل الأفضل."
قالت
هيفا بجدية: "قانونيًا، يمكن لجدتها أن تأخذها منا، لكن يمكننا أن نجد طريقة
لإقناعها بالتخلي عن الحضانة."
ثم
تابعت: "ولا ننسى أن وردة أصبحت بعمر يمكنها فيه أن تختار بنفسها إذا
كانت تريد الذهاب معها أم لا."
وافق
الجميع على فكرة هيفا، وقرروا أن يطرحوا الموضوع على وردة، ثم يتصرفون بناءً على
رد فعلها.
سأل
نديم بصوت جاد: "ومن سيخبرها؟"
أجاب
أبو سعد: "كما في المرة السابقة، سيكون سعد هو من يخبرها."
حين
حضرت وردة إلى البيت، أخبرها الضابط سعد بما أقدمت عليه جدتها أم أبيها.
نظرت
إليه وردة باندهاش وقالت: "من هي جدتي؟ وكيف خطرت على بالها
بعد كل هذه السنين؟ وهل تستحقني؟"
قالت
هيفا بلطف: "يا وردتي، القانون يمنحها الحق في البحث عنكِ، لكن أيضًا
القانون يمنحكِ الحق في الاختيار إذا كنتِ لا ترغبين بالذهاب معها."
ثم
تابعت: "لكن علينا أن نفهم أولًا سبب بحثها عنكِ، وبعدها لكل حادث
حديث."
هزّ
سعد رأسه موافقًا وقال: "كلام المحامية في محله، يا
وردتنا جميعًا. علينا أن نُعلِم جدتكِ بمكانكِ، وبعدها نرى كيف ستتطور
الأمور."
بعد
أيام قليلة، جاء سعد بخبر جديد: "جدة وردة ستأتي لزيارتها هنا في
البيت."
ثم
نظر إلى وردة وقال محذرًا: "يجب أن تتحدثي معها باحترام،
وألا تجرحيها بالكلام، وهذا ينطبق على الجميع في البيت."
وهكذا
كان.
حين
وصلت الجدة إلى البيت برفقة الضابط المسؤول عن المخفر وأحد العناصر، استقبلها أهل
البيت بشكل لائق، وقاموا بالضيافة والواجب.
ثم
حان وقت لقاء وردة بجدتها.
كانت
وردة تجلس مع هيفا في غرفتها حتى طُلب منها الحضور.
تقدمت
وردة مع هيفا إلى الصالة، وسلّمت على الجميع.
ثم
وقفت أمام جدتها وقالت بصوت خافت، والدموع تنهمر على خديها: "أهلًا وسهلًا بجدتي التي لا
أعرفها قبل اليوم..."
شعرت
الجدة بالحزن، فمدّت يديها إلى وجه وردة ومسحت دموعها بلطف، ثم قالت بصوت مرتجف: "معكِ حق، يا حبيبتي..."
نظرت
الجدة إلى وردة بعينين مليئتين بالحنان وقالت بصوت دافئ: "لا أطلب منكِ شيئًا يا حبيبتي،
سوى أن أعرف أنكِ على قيد الحياة."
ثم
تابعت بصوت صادق: "إذا كنتِ مرتاحة هنا، فلن أقوم بأي شيء يعكر صفو حياتكِ. كل ما
أريده هو التعرف عليكِ، وأن تعرفيني، فأنتِ الآن صبية وقادرة على اتخاذ قراركِ
بنفسكِ؛ يمكنكِ أن تختاري قبولي في حياتكِ، أو ترفضيني، ولا لوم عليكِ
أبدًا."
ثم
توقفت للحظة، ونظرت إلى العائلة وقالت باحترام عميق: "كما أنني أتقدم مسبقًا بامتناني
لكل من احتضنكِ في هذا البيت الكريم، وأشكرهم من كل قلبي على رعايتكِ وتعليمكِ
وحمايتكِ من الشارع، فقد كانوا لكِ أهلًا أفضل من أهلكِ، وحتى أفضل مني أنا
شخصيًا."
ثم
ابتسمت بلطف وقالت: "لا أطالبكِ اليوم بأي شيء، سوى أن تفكري بأن لديكِ أهلًا
حقيقيين يريدون التعرف عليكِ، ولا شيء غير ذلك."
سادت
لحظة صمت مليئة بالمشاعر، ثم وقف أبو سعد وصفّق بحرارة لكلام الجدة، وبعده وقف
الجميع وصفّقوا أيضًا، تعبيرًا عن احترامهم لها.
في
تلك اللحظة، انهارت وردة من شدة التأثر، وشعرت بأن قدميها لم تعد تحملانها.
نهض
نديم بسرعة، واتجه إليها ممسكًا بها، ثم قال لها بلطف: "ما بكِ يا وردتنا؟"
اتكأت
عليه، ثم اجلسها بالقرب من جدتها، وقبّلها على رأسها.
نظرت
إليهما الجدة بعينين دامعتين وقالت بصوت مرتجف: "الله يديم عليكم هذه المحبة التي
تقدمونها لحفيدتي."
ثم
تابعت بصوت مليء بالامتنان: "أعترف لكم بأنه لو كانت عندي،
لما استطعتُ أن أقدّم لها ما قدمتموه أنتم. أشكركم جزيل الشكر."
استمر
الحديث بين الجميع، وكانت الجدة تعانق وردة بين الحين والآخر، ووردة ترد لها
المعانقة والقبلات، وكأنها تريد أن تعوّض كل السنوات التي لم تكن فيها معها.
حتى
جاء وقت مغادرة الجدة، فشكرَت أهل البيت على حسن الضيافة، وامتنّت لهم لأنهم
حافظوا على وردة كأنها ابنتهم.
قبل
مغادرتها، طلب منها الضابط المسؤول أن تقدم إفادة بما قالته وطلبته، كإجراء روتيني
لحفظ الملف.
وافقت
الجدة، وذهبت لإتمام الإجراءات كما هو مطلوب.
لحظة
التأمل والمصارحة...
حين
أصبحت العائلة وحدها مع وردة، احتضنها الجميع، وساد الصمت في المنزل، حيث كانت
الدموع تفرض نفسها.
لكن
فجأة، اخترق ذلك الصمت صوت نديم وهو يقول ممازحًا: "على قول المثل: 'نية الجمال
بنية، ونية الجمل بنية، ونية الله تغلب كل نية'! لقد استصعبنا الموقف كثيرًا، لكنه
كان أسهل مما توقعنا."
ثم
تابع بابتسامة عميقة: "أقدر موقف الجدة، فهي قدرت كل ما قدمناه لوردة، وهذا يحسب لها،
فقد كبرت في نظري، ويجب أن نقابلها بالمثل. فما رأيكِ يا وردتنا؟"
نظرت
إليه وردة بعينين مليئتين بالثقة وقالت: "أنتم علمتموني أن أقابل الشر
بالحسنة، فكيف إذا كانت حسنة؟ بالتأكيد سنقابلها بأحسن."
ثم
أضافت بحماس: "سنقصدها في بيروت ونتعرف على أقربائي الجدد، لكنني متأكدة من
شيء واحد... أنا من نصيبكم، لأنكم اخترتموني، وأحببتموني، وسأكمل حياتي معكم كما
سعيتم."
احتضنتها
هيفا وقالت بحماس: "شكرًا لكِ، وردتنا الطيبة!"
فرح
أم سعد وأبو سعد بهذا القرار، وشعروا بفخر كبير بما وصلوا إليه مع وردة، وكيف
أصبحت فردًا أساسيًا في حياتهم، ليست مجرد طفلة احتضنوها، بل ابنة لهم بكل معنى
الكلمة.
كان
التضامن الذي عاشوه مع وردة مذهلًا، ومنحها كل الحب والاحترام، واليوم، ها هي ترد
لهم الجميل، باحترامها وتقديرها لما قدموه لها.
لحظة
التخرج...
مرت
السنوات، حتى جاء اليوم الذي تخرجت فيه وردة من كلية الحقوق.
أقاموا
لها حفل تخرج كبير، بحضور كل الأهل والمحبين، وكان ذلك اليوم مليئًا بالمشاعر
القوية.
وقفت
وردة أمام الجميع، ونظرت إليهم بعينين دامعتين وقالت: "أشكر الله على كل شيء، وعلى ما
وصلت إليه، فقد منحني عائلة ليست عائلتي البيولوجية، لكنها كانت أكثر من ذلك،
محبتهم لي جعلتني أنسى الماضي، وأحتضن الحياة الجديدة بكل حب وثقة."
كان
أفراد عائلة أبو سعد حاضرين في الحفل، إلى جانب جدتها وأقاربها، مما منحها شعورًا
بالقوة والانتماء.
نظر
نديم إلى وردة، وهو يشعر بالسعادة التي لا توصف، فقد كان هو من سعى إلى وجودها
بينهم، وها هو اليوم يحصد ثمار ما زرعه، ويرى كيف تغيرت حياتهم جميعًا بفضلها.
كانت
هيفا تسترجع كل لحظة عاشتها مع وردة، وكل سنوات تعليمها، وكل ليلة سهرت فيها حين
مرضت، وكل لحظة من الحب الذي منحته لها، فقد كانت وردة "لعبتها الحيّة"،
كما كانت تحلم دائمًا، وأفضل أخت صغرى يمكن أن تتمناها.
أما
سعد، فقد وجد في وردة نورًا خاصًا، رغم قسوة وظيفته، فقد كانت هي الدافع الذي جعله
يعامل الناس بلطف أكبر، فقد أشعل وجودها في منزلهم كمًا هائلًا من المحبة والتضامن
الذي لم يكن متأكدًا من وجوده من قبل.
أم
سعد، رغم أنها كانت ضد الفكرة في البداية، فقد أصبحت اليوم فخورة بما قدمته
عائلتها، لأن العطاء هو نعمة من الله، وها هي ترى ثماره أمامها.
أما
أبو سعد، الأستاذ الذي رعَى وردة في المدرسة، فقد كان السند الكبير لها في
التعليم، وها هو اليوم يرتاح لما وصلت إليه وردتهم، ويفتخر بها أمام الجميع، لأنها
كانت نموذجًا رائعًا للمثابرة والنجاح.
وردة...
الفتاة التي بدأت في الشارع، وانتهت بإنجاز عظيم، بفضل الحب الذي منحها حياة
جديدة.
وردة...
كلمة الامتنان
في
نهاية الحفلة، طلبت وردة أن تلقي كلمة، فكان لها ما أرادت.
وقفت
أمام الجميع، نظرت إليهم بعينين دامعتين، ثم بدأت حديثها قائلة:
"إلى
نديم...
أنت
الأب، والأخ، والصديق، أنت الشخص الذي لولاك لما كنت هنا اليوم. أشكرك من قلبي،
وأحبك لا كما تحب الأخت أخاها، ولا كما تحب الزوجة زوجها، ولا كما تحب الطفلة
والدها. أنت إنسان مليء بالإنسانية، وعطاؤك غير المحدود أوصلني إلى هذه اللحظة.
فماذا أقول لك أكثر من أنك 'غير شكل'؟ أنت قديس حياتي، فشكرًا لك من قلب
قلبي."
"إلى
أختي الكبرى، هيفا...
إلى
من ضحّت بالكثير من زهرة شبابها، وتخلّت عن وقتها مع أصدقائها، فقط لكي تكون
بجانبي في مرضي وشفائي، في فرحي وحزني. أنتِ نبض قلبي الذي أعيشه دائمًا، أنتِ
التي رائحتكِ أطيب من أي عطر في العالم. كنتِ العطر المحبب الذي غفيت على عبقه، لم
أشم رائحة أمي، لكنني وجدت فيكِ تلك الأم. شكرًا لكِ من قلب قلبي."
"إلى
أخي الكبير، الضابط الخلوق سعد...
أنت
ضابط إيقاع حياتي، قدوتي في التعامل مع الناس. تعلمت منك الانضباط، تعلمت الأخلاق
الرفيعة، تعلمت أن تكون كلمتي حيث يجب أن تكون. أنت رفيقي في كل درب يصون، فشكرًا
لك من قلب قلبي."
"إلى
القلب الطيب، والمخلوق الأوفى، طنت أم سعد، أو ماما سلمى...
يا
صاحبة اليدين التي تقدم لنا أشهى الأطباق، والتي تحرق نفسها في المدرسة من أجل
طلاب غرباء، فكيف بأطفالها؟ وزدت عليهم طفلة لم تلديها، لكنكِ عاملتني مثلهم
تمامًا. حتى لو قلتُ لكِ 'شكرًا من قلب قلبي'، فلن أوفيكِ حقكِ، لكنني أقولها من
صميم قلبي."
"إلى
المربي الفاضل، الأستاذ سمير أبو سعد...
يا
من مرت تحت يديكِ أجيال وأجيال، ومنهم اليوم من يدير الشركات، ومن يطبب الناس، ومن
يبني المباني، ومن يدافع عن الحقوق في المحاكم. كنتَ لهم جميعًا القدوة، وكنتُ أنا
أيضًا تلميذتك، وأنا فخورة بذلك. هل أقول لكَ 'شكرًا من قلب قلبي'؟ بل أكثر، شكرًا
لك من كل جوارحي ومشاعري، يا أستاذي، يا والدي."
ثم
توقفت لحظة، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم أكملت بصوت ثابت:
"تعلمتُ
على يديك كيف أعزف الحروف لتصنع أعذب الألحان في الكلمات. تعلمتُ على يدَي والدتي
الثانية، تعلمتُ على يدَي إخوتي كيف أكافح في الحياة، فكنتُ كما أرادوا لي أن
أكون."
ثم
نظرت إلى الحضور جميعًا وقالت بصوت قوي:
"وأنا
أقف هنا اليوم، أريد أن أشكر ربي الذي سخر لي هذه العائلة الطيبة، المحبة،
المعطاءة، عائلة قدمت لي ما لم أحلم به. نعم، انتشلوني من الشارع، أنا وردة بائعة
الورود، وزرعوني وردة في قلوبهم، معززة مكرمة. كل ما لهم لي، ولا شيء يغلى عليّ.
هل
هذا مجرد عمل طيب؟ لا، إنه أكثر من ذلك... إنه القداسة بين البشر للبشر."
ثم
ابتسمت وأكملت: "أنا وردة بائعة الورد، واليوم مع عائلتي، أعطي 'وردة' لكل محب.
شكرًا لكم، مع محبتي واحترامي."
طرابلس في – 28 / 5 / 2025
غسان رزق العلي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا، بكم امل ان تجدوا ما يجعلكم تتابعون المدونة دائما،
مع محبتي واحترامي